أسماء وهبة

يبدو أن الانتخابات الأمريكية القادمة لن تكون مثل سابقاتها. ان كانت على صعيد المرشحين الرئاسيين أو الكونغرس، والسبب تغير نظرة جزء غير قليل من الشارع الأمريكي لاسرائيل، التي اعتبرها لسنوات طويلة خطا أحمر لا يمس.

اعتاد الأمريكيون على أن يقدموا لاسرائيل كافة أشكال الدعم السياسي والعسكري واللوجستي وبالطبع المالي، انطلاقا من أنها الضحية التي تدافع عن نفسها أمام فلسطينييون يعتدون عليها طوال الوقت، حتى جاء السابع من أكتوبر 2023 ونفذت اسرائيل عملية ابادة واسعة لأكثر من عام ضد الشعب الفسلطيني في قطاع غزة، معتبرة أن المدنيين يجب أن يعاقبوا كما مقاتلوا حركة حماس.

تابع الأمريكيون عبر وسائل التواصل الاجتماعي قتل المدنيين، وحرق الأطفال أحياء في الخيم، وفصل الكهرباء عن المستشفيات، وقتل الرضع والمسنين، وقصف المدارس ودور ايواء النازحين، واهانة المعتقلين في السجون الاسرائيلية، واغتصابهم بأبشع الطرق الممكنة، وتجويع أكثر من مليوني غزي، وحبسهم في مساحة جغرافية ضيقة، وقصفهم ليلا نهارا بدعم كامل من ادارة الرئيسين الأمريكيين جو بايدن ودونالد ترامب.

تحرك الشارع الأمريكي ضد حكومته رافضا استخدام أموال دافعي الضرائب لقتل الأبرياء في غزة من أجل اسرائيل.

كسر “تابو” انتقاد اسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية. رفعت شعارات ضدها جراء جرائمها في غزة، التي نظر اليها الشارع الأمريكي بخيبة أمل وصدمة، ما خلق وعي أمريكي مختلف عن السائد. يرفض الابادة، ويدين تواطؤ السياسيين الجمهوريين والديموقراطيين على حد سواء مع الفظائع التي ترتكبها اسرائيل في غزة.

لكن لماذا أصلا هذا الدعم المطلق في الولايات المتحدة الأمريكية لاسرائيل؟

ان الوصفة السحرية كي يصل أي طامح لمقعد في الكونغرس أو مركز العمدة أو حاكم ولاية هو دعم اسرائيل، التي ستغدق عليه الأموال من خلال مؤسسات اللوبي الاسرائيلي في الولايات المتحدة الأمريكية وفي مقدمتها “ايباك”. هي اختصار لجنة الشؤون العامة الأمركية الاسرائيلية. انها مجموعة ضغط تدافع عن السياسات المؤيدة لاسرائيل في الحكومة والكونغرس، وتجمع الأموال للمرشحين، وتمول حملاتهم الانتخابية. طالما أنهم يدعمون سياسات اسرائيل، حتى باتت ايباك تتحكم من خلال النواب الذين أوصلتهم الى مقاعدهم في الكونغرس في قراراته، ما ينعكس على مخرجات الحكومة الأمريكية أيضا، والمطلوب من كلاهما ما يلي: توفير الدعم المالي لإسرائيل عن طريق الهبات، شطب الديون الاسرائيلة، حشد قيادات أمريكية داعمة لاسرائيل في وجه من قد ينتقد تل أبيب، مساندتها في رفض اقامة دولة فلسطينية، والأهم من هذا كله ضمان استمرار الاتفاقية الأمنية الاسرائيلية الأمريكية لفترة طويلة كونها تقدم دعم عسكري مفتوح لاسرائيل.

 بدأت ترسم ملامح تغيير في هذا الواقع المكرس منذ أكثر من سبعون عاما بعد السابع من أكتوبر. تعالت أصوات مناهضة لايبباك وغيرها من منظمات اللوبي الاسرائيلي في الولايات المتحدة الأمريكية. فضحت شخصيات سياسية أميركية ممولة من ايباك، وبالتالي داعمة للإبادة في غزة، التي يرفضها جمهور عريض في الشارع الأمركي، ما دفع بعض الساسة في واشنطن وغيرها من المدن الأمركية لرفض الدعم المالي من ايباك خوفا من خسارة الناخبين.

ظهرت منصة تدعى AIPAC TRACKER التي تتبع مصدر تمويل السياسيين الأمركيين في الكونغرس، وان كانوا قد تلقوا تمويلا من اللوبي الاسرائيلي أم لا. اذا كانت النتيجة ايجابية فيتم الاعلان عن ذلك بالإَافة الى مقدار الأموال التي حصلوا عليها من ايباك لإظهار مواقف داعمة للإبادة في غزة واستمرار الحرب هناك.

ليس ذلك فقط بل ظهرت منظمة أمركية تدعى “مواطنون ضد فساد ايباك” المناهضة لما وصفته بـ “فساد اللوبي الاسرائيلي السياسي في الولايات المتحدة الأمركية، الذي يضغط على واشنطن لتبني سياسيات تتماشى مع الحكومة الاسرائيلية اليمنية المتطرفة.

اذن هناك تململ أميركي من اطباق المال الاسرائيلي على مركز القرار في واشنطن، حيث تقدم ايباك وغيرها من مؤسسات اللوبي الاسرائيلي ميزانيات مفتوحة للساسة الأمركيين، كي يصلوا الى الكونغرس، عبر حملات اعلامية وانتخابية ضخمة. كما تشن حملات تشويه سمعة وقدح وذم ضد منافسيهم، الذين هم بطيعة الحال ضد المشروع الاسرائيلي، وأكبر نموذج حي على ذلك هو عمدة نيوروك زهران ممداني، الذي يعتبر فوزه في الانتخابات مؤشرا على عدم رغبة أكبر مدينة أمركية بالسيطرة الاسرائيلية على القرار الأمركي.

بات الناخب الأمريكي الآن يسأل المرشحين عن اسرائيل، وموقفهم من الابادة في غزة، وبناء على اجابتهم يحددون اذا سيصوتون لهم أم لا، وهذا أمر غير مسبوق، وبالتالي قد نشهد في الانتخابات الأمريكية القادمة ظهور شريحة جديدة بعيدة عن الناخب الجمهوري والديموقراطي، التي بدأت تتسع رقعتها من ناحية رفض أموال ايباك وغيرها من مجموعات اللوبي الاسرائيلي، وتطالب بدعم قانون “ليهي” الذي يضمن عدم ارسال أسلحة أميركية لتمويل الإبادة ودعم اقامة دولة فسلطينية.

ربما يرى العرب أن طوفان الأفقصى كان كارثة لكن في الولايات المتحدة الأمركية هو بداية مسار لإبعاد الناخب الأميركي عن اسرائيل، وهكذا قد تتحق نبوءة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حينما قال أن “اسرئيل فقدت قدرتها السابقة على الضغط على الدوائر السياسية في واشنطن”.

© All Rights Reserved. Designed by I.T.S