أسماء وهبة
التقيت فضل شاكر مرة واحدة في حياتي. تم اللقاء بعد ترتيبات معقدة عبر وسطاء، بدءا من صديقة محامية مقربة من عائلتي، وهي بالطبع محل ثقة فضل شاكر، التي ربطتني لاحقا بشخصية صيداوية، رتبت لقائي الوحيد به.
كان همي حينها مثل أي صحفية أن أحقق “سكوب”، وهو إقناع فضل شاكر بالموافقة على اجراء مقابلة تلفزيونية. نتحدث هنا عن عام 2017 . كان يرفض فضل شاكر حينها عمل مقابلات تلفزيونية، مفضلا الصمت، فأي كلمة قد تأخذ ضده، وتحصن داخل مخبئه الآمن في مخيم عين الحلوة، تحت حماية الفصائل الفلسطينية، هربا من بطش حزب الله والنظام السوري.
أنا من محبي فضل شاكر. فنان مرهف الحس. رأيته أول مرة في حياتي ابان تظاهرة للشيخ أحمد الأسير في بيروت، حيث أعلن خلالها اعتزال الغناء، بعد أن حضر الى ساحة الشهداء وسط محراسة مشددة. تركزت الأعين عليه. لم ينتبه أحد الى الشيخ أحمد الأسير، الذي حظي بالاهتمام بسبب ثنائيته مع فضل شكر.
جلس فضل شاكر في الصف الأول أمام المسرح، الذي وقف عليه الشيخ الأٍسير صادحا بمواقف سياسية نارية، فيما استمع اليه فضل بهدوء. ازدادت سمرة بشرته. أطلق عنان لحيته. فقد بعضا من وسامته لكن مازال بريقه يشع جاذبا كل الأضواء نحوه! حدق فيه المصورين والصحفيين. لا نصدق أن الجالس أمامنا هو فضل شاكر، الذي ما لبث أن اعتلى المسرح، داعما دعوى الشيخ أحمد الأسير الدينية. يطالع بين فينة وأخرى شيخه الملهم، الذي وثق فيه، بعد أن أخذه الى طريق التوبة. عله يلتمس بعضا من السكينة، التي أفتقدها فضل سنوات طويلة، وسط ضجيج الأضواء!
تحب فضل شاكر قبل أن تسمع حديثه! متواضعا رغم الشهرة، التي لم تغيره مثل كثير من النجوم، الذين التقيت بهم خلال مسيرتي الصحفية، ممن غرقوا في العظمة والغرور! لم يكن فضل شاكر من هؤلاء. كان أقرب الينا. نحن جمهوره بغض النظر عن السياق السياسي الذي قدم نفسه فيه لاحقا. يشبهنا في سعينا نحو حياة هادئة هانئة.
باختصار “ما فيك ما تحب فضل شاكر”..
فشلت في أخذ تصريح منه بعد أن حاصرته الكاميرات. تسرب مثل الماء الى سيارته. غادر تحت حراسة مرافقيه الى صيدا. بقيت في داخلي رغبة اجراء مقابلة معه. لم استسلم. استمرت محاولاتي في الوصول اليه بعد أحداث عبرا، واتهامه بالهجوم على الجيش اللبناني، ومن ثم اختفاءه داخل مخيم عين الحلوة، حتى أهدتني الحياة صدفة لقاءه بعد سنوات من الجهد والبحث والتقصي.
وعدتني الشخصية الصيداوية بترتيب لقاء مع فضل شاكر اكراما لصديقتنا المشتركة، لكنه اشترط أن لا لقاءات صحفية. جلسة خاصة مع فضل شاكر. طرت فرحا. “شو بدي أحسن من هيك!” سأرى فضل شاكر. ربما أقنعه بالموافقة على اجراء المقابلة.
كانت الساعة الخامسة بعد الظهر حينما اتصلت بي الشخصية الصيداوية فجأة: “امرقي وراي على البيت الساعة ونصف حتى نكون عند فضل الساعة 7”.
ماذا عساي أفعل؟!
لا وقت لارتداء ملابس أنيقة أو وضع ماكياج أو ترتيب شعري. ذهبت كما أنا بملابس العمل اليومية للقاء فضل شاكر أو بمعنى أدق طرت الى صيدا. اصطحبت الشخصية الصيداوية من منزله الذي بدأ بتنبيهي الى عدة أمور: “اسمعي من فضل أكثر ما تحكي. هو ما بيوثق بالناس بعد اللي صار معه. ممكن ما يكون لطيف معك”.
لم أصدق أي كلمة مما قالها ذلك الرجل. كان لدي احساس واثق “ما بعرف من وين أجى” بأن فضل رغم المأساة التي يعيشها مازال محافظا على لطفه مع الصحفيين.
ركنت سيارتي خارج مخيم عين الحلوة. دخلنا اليه سيرا على الأقدام. لم يوقفنا الجيش اللبناني أو القوى الفسلطينية المسلحة. نحن رجل ستيني وامرأة ثلاثينية شابة. كان واضحا أننا أب وابنته. عرجنا مباشرة الى زقاق ضيق متعرج. لا يدع لضوء الشمس مجالاً للمرور. طرقات أشبه بالأنفاق الإسمنتية الطويلة المظلمةة. مكتظة بالمارة. “ما فيك تشوف السماء”، من كثافة أٍسلاك الكهرباء العشوائية المتشابك،ة والغسيل المتدلي من البلكونات، بين البيوت المتلاصقة!
“ما عم صدق! هون عايش فضل شاكر؟! في هذه القمامة!”
فضل شاكر الذي وقف على أهم المسارح العربية والعالمية. تلاحقه النجمات. “بدن يصاحبوه”. نجم استثنائي. يغار منه معظم زملاءه. جنى آلاف الدولارات. سكن في أجمل المنازل. كيف يعيش في ذلك المكان المتهالك “اللي ما بيشبه فضل بأي شيء”!
توقفنا عند بناية من طابقين. “هيدا اذا فينا نقول عنها بناية!” مبنى أكلته الرطوبة. تفوح منه رائحة المياه الآسنة، المتسربة من قنوات الصرف الصحي، المكشوفة بغبار الركام. “كان حيغط على قلبي!”
صعدنا الى الطابق الثاني. كان فضل شاكر في انتظارنا عند الباب بابتسامة هادئة مرحبة. سلم على الشخصية الصيداوية بحرارة، ثم مد يده نحوي قائلا بابتسامة دافئة: “أهلا وسهلا أسماء.. شرفتي”.
ابتسمت حتى بانت أسناني عندما ذكر أسمي..
انه فضل شاكر بشحمه ولحمه، مع بعض الوزن الزائد، وملابس رياضية بسيطة، لكن لطفه ووداعته أطفأوا الرهبة في داخلي من ذلك المكان المقبض!
كان يسكن في شقة أنيقة الى حد ما. لا تمت الى الفخامة بصلة. مرتبة. جلسنا في الصالون أمام شاشة كبيرة. تبث الأخبار المسائية. لم يكن وحيدا. سبقنا محامي. ادعى أنه من محبي فضل شاكر. قدم فضل القهوة بنفسه. أبدى اهتماما بي لامتصاص التوتر الباد على وجهي. جلس قبالتي. سألني عن عائلتي. أبدى اهتماما قلما يظهره أي فنان في حديثه مع صحفي. قاطع حديثنا ذلك المحامي ثقيل الدم، الذي تحدث عن أزمة فضل شاكر. قررت عدم الكلام. “كان بدي اسمع فضل أكثر ما أحكي!” اغتظت من ذلك المحامي، الذي صادر الحديث في الجلسة، لاستعراض عضلاته القانونية أمام فضل، حتى شعرت برغبة صفعه “كف”، حتى يسكت، ليتكلم فضل!
كان فضل هادئا مبتسما مؤمنا صابرا محتسبا. لا يبدو الغضب عليه. رغم معاناته العميقة، وشكواه من ضعف نظره، وعدم توفر العلاج الجيد في المخيم. كان مشتاقا الى الموسيقى. ربما ندم على وقوعه في شرك الشيخ أحمد الأسير.
أخبرته في سياق سؤاله عن أسرتي عن أزمة عائلية. عرض أن يرسل أحد شبابه الى قريبي “المزعج” لحلها. اقترح الأمر بطريقة كوميدية لكن بجدية واضحة. لا يتسنى لي الآن ذكر الأمر بالتفصيل، حفاظا على صلاتي العائلية، لكن ما استنتجه من ذلك أنه جدع، ولو تسنى لي فرصة لقاءه مجددا فأنا على ثقة بأن صداقة متينة قد تجمعنا.
لم أعرض عليه اجراء مقابلة. نسيت الأمر وسط احباطه من اغلاق الأبواب أمام حل الكارثة التي وقع فيها. لم يحمل أي جهة مسؤولية مظلوميته. ربما لا يثق في كل الجالسين معه. هو محق في ذلك.
مضت ساعة من الوقت. تحدث خلالها فضل عن عشق ابنه محمد للفن ورغبته في احتراف الغناء. كان يطالع فضل “الأورج” من وقت لآخر. دهشت من وجوده في شقته داخل مخيم عين الحلوة! أخبرني أنه سيسمعني في زيارتي القادمة اليه أغنية، شارف على انجازها، وسيطلقها قريبا، “بس الوقت هلق مش مناسب حتى ما يسمعوا الشباب تحت!”
كان خائفا من حراسه الاسلاميين، الذين يمتعضون من الأغاني، لكن الحفاظ على فضل شاكر جزء من عملههم، الذي بالطبع لم يكن مجاني. كان فضل سخيا على الجميع، بعد أن فقد ثقته في من حوله، والمال وسيلته الوحيدة لحماية نفسه من الأّذى.
مضت ساعة كأنها دقيقة من الوقت. تنحنحت الشخصية الصيداوية ايذانا بالذهاب. “كان بدي اشلخه كف”. لماذا علينا أن نغادر سريعا؟! دعنا نجدد القهوة. أقترحت ذلك بعيني، لكنه هز رأسه رافضا، مشيرا الى الوقت قد تأخر.
أوصلنا فضل عند الباب. مد يده وسلم عليي بحرارة قائلا: “اذا احتجتي أي مساعدة احكيني، والشباب جاهزين، حتى يحلوا مشكلتك مع قريبك ما في حدا بيضايق أصدقائي”.
خرجت من عند فضل شاكر مرددة عبارة واحدة: “َالله يسامحك يا فضل شو عملت بحالك!”