
بعد زلزال سياسي أطاح بنظام بشار الأسد في سوريا. وجدت تركيا نفسها أمام واقع استراتيجي جديد. تسلم أحمد الشرع مقاليد الحكم في البلد. تغير معه الدور التركي إلى شريك فاعل وأساسي في صياغة ملامح الدولة السورية الجديدة، حيث تتمحور المقاربة التركية الحالية على هندسة الاستقرار في سوريا، ويسعى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى ترسيخ الحكم في دمشق.
يشرح الباحث السياسي حمزة تكين بالتفصيل لـ Trending News الدور الذي لعبه فيدان في سوريا بعد الاسد: “يمكن فهم دور وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في سوريا الجديدة بعد الأسد بوصفه دورًا تأسيسيًا وإداريًا أكثر منه خطابيًا. يقوم على نقل النفوذ التركي من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة إدارة ما بعد الصراع، وفق رؤية الرئيس رجب طيب أردوغان التي تعتبر سوريا عمقًا أمنيًا وسياسيًا. لا يمكن لتركيا الانسحاب منه. نرى أن تركيا تعتمد سياسة جديدة في سوريا. تقوم على تحقيق المصالح المشتركة والفائدة المتبادلة للشعبين التركي والسوري. يتمثل الدور الأساسي لفيدان في مرحلة ما بعد الأسد: إعادة هندسة العلاقة بين الدولة السورية الجديدة وتركيا، على أسس مؤسساتية طويلة الأمد. هو بخلفيته الاستخباراتية، وقدرته على العمل مع الفاعلين الرسميين وغير الرسميين، يُعد الشخصية الأكثر قدرة على التواصل مع مراكز القوى السورية المختلفة، سواء كانت سياسية أو عسكرية أو اجتماعية. هذا يجعله حلقة الوصل بين أنقرة والقيادة السورية الجديدة. يسمح لتركيا أن تكون شريكًا في صياغة الترتيبات السياسية والأمنية. لا مجرد داعم خارجي. يلعب فيدان دورًا أمنيا محوريًا في تثبيت الاستقرار ومنع الفراغ في سوريا. تسعى تركيا الى ضمان عدم تحول سوريا الجديدة إلى ساحة فوضى، أو إلى منصة لتهديد أمنها القومي، خصوصًا فيما يتعلق بالتنظيمات المسلحة والانفصالية، ما يعني العمل على دمج الفصائل، ضمن هياكل أمنية وطنية سورية، وتفكيك التنظيمات الإرهابية، بالتوازي مع بناء تعاون أمني مباشر بين أنقرة ودمشق الجديدة، قائم على تبادل المعلومات، وضبط الحدود. ساهم فيدان سياسيًا في تسهيل الانتقال من منطق الثورة والمعارضة إلى منطق الدولة. تحتاج تركيا في مرحلة ما بعد الأسد إلى إعادة تموضع ذكي. لا يظهرها كطرف يفرض وصاية بل كشريك داعم لإعادة بناء الدولة. هنا يظهر دور فيدان، كدبلوماسي قادر على العمل بهدوء خلف الكواليس، لدعم عملية سياسية سورية ـ سورية، مع ضمان ألا تُهمَّش المصالح التركية أو يُعاد إنتاج نظام معادٍ لأنقرة. يعمل فيدان إقليميًا ودوليًا لدمج سوريا الجديدة في محيطها العربي والدولية. تدرك تركيا أن استقرار سوريا لا يمكن أن يكون تركيًا صرفًا، لذلك يسعى فيدان إلى تنسيق المواقف مع دول الخليج والعالم العربي، وأوروبا، والولايات المتحدة الأميركية وروسيا. يتجلى دور فيدان اقتصاديًا في فتح الطريق أمام إعادة الإعمار، وربط الاقتصاد السوري بالاقتصاد التركي، فتركيا ترى في سوريا الجديدة فضاءً اقتصاديًا طبيعيًا، سواء عبر التجارة أو الطاقة أو البنية التحتية، وهو ما يمنح دمشق فرصة للتعافي، ويمنح أنقرة نفوذًا ناعمًا طويل الأمد. من هنا يتمثل دور هاكان فيدان في سوريا ما بعد الأسد في كونه مهندس الانتقال من الصراع إلى الدولة من الزاوية التركية. لا يتحرك كوزير خارجية تقليدي، بل منسق للأمن والسياسة والدبلوماسية. يعمل على ضمان أن تكون سوريا الجديدة مستقرة، غير معادية لتركيا، ومنخرطة في نظام إقليمي جديد، تكون أنقرة أحد أعمدته الأساسية.