ابراهيم طه
كنت هناك منذ فترة..
خمسة أيام وأربعة ليالٍ فقط، في رحلة سياحية، جمعتني بعدد من الأصدقاء. تحركنا خلالها بين مدن لبنان ومناطقه. نحاول أن نرى أكبر قدر ممكن من هذا البلد، الذي مهما تجولت فيه، يظل دائماً لديه شيء آخر يخفيه عنك.
الغريب أن خمسة أيام بدت قصيرة جداً، لكنها كانت كافية لأكتشف أن لبنان لا يُقاس بعدد الأيام التي تقضيها فيه، وإنما بعدد اللحظات التي يتركها فيك.
كنت أظن أنني أعرف لبنان، فإذا بي أراه من جديد! ربما لأن بعض البلاد لا تعود إليها لتراها، إنما تعود إليها لتكتشف ما تغير فيك أنت، ومن بين كل ما رأيته وعشته خلال تلك الأيام، بقيت خمس حكايات تحديداً معلقة في الذاكرة.
فيروز.. وصباحات الروشة
في لبنان، الصباح ليس مجرد بداية ليوم جديد. هناك للصباح طقس آخر. فنجان قهوة، نسمة بحر، وصوت فيروز يأتيك من مكان قريب، فتشعر أن المدينة كلها تستيقظ على مهل، وعند الروشة، يصبح المشهد أكثر اكتمالاً؛ البحر أمامك، وصوت فيروز في الخلفية، وذكريات “الرحابنة” حاضرة في كل التفاصيل. فهمت لحظتها لماذا ارتبطت فيروز بوجدان أجيال كاملة؛ لأنها لم تكن تغني للبنان فقط، إنما كانت تمنحه صوتاً يشبهه.
الصحيفة.. ورائحة الحبر
وفي الحمرا، كانت الحكاية مختلفة!
مقهى، قهوة، ضجيج مدينة، وصحيفة ورقية بين يديك. أعادتني رائحة الحبر المختلطة برائحة القهوة إلى زمن كانت فيه الصحيفة موعداً يومياً، وكانت الكلمة تحمل وزناً، وكان الصحفي جزءاً من ذاكرة المدينة، حتى تشعر في لبنان أن الصحافة ليست مجرد مهنة. إنها واحدة من طبقات المكان وذاكرته.
المائدة اللبنانية.. حين تتحول اللقمة إلى حكاية
تأتي المائدة.. وهنا، يصعب أن تظل مجرد سائح!
التبولة، الحمص، المازة، ورق العنب، وكل تلك التفاصيل الصغيرة التي تأتي إلى المائدة واحدة تلو الأخرى، كأنها تعرف أن الطعام في لبنان ليس لإشباع الجوع فقط، وإنما للاحتفال بالحياة. يحمل كل طبق شيئاً من المكان، وتقول لك كل لقمة إن هناك شعوباً تعرف كيف تحول أبسط الأشياء إلى متعة.
أن تقتنص الفرح من قلب العاصفة
أكثر ما شدني في لبنان لم يكن مكاناً بعينه، بل تلك القدرة الغريبة على الاستمتاع بالحياة، رغم كل ما مر ويمر به البلد!
جلسة على البحر. غروب هادئ. حديث مع الأصدقاء. ضحكة عابرة. تشعر فجأة أن الحياة يمكن أن تمنحك لحظة جميلة حتى وهي مثقلة بكل شيء. ربما هذه هي إحدى أكثر الصفات التي أحببتها في لبنان. القدرة على اقتناص الفرح من قلب العاصفة.
اللبنانيون.. سر الحكاية
وفي النهاية، يبقى الإنسان أجمل ما في الحكاية. ضحكة حاضرة، وكرم يجعلك تشعر أنك لست غريباً، وخفة ظل قادرة على تحويل المواقف الصعبة إلى مساحة للضحك.
تتنقل بين المدن، وتتغير أمامك الجغرافيا، لكن هناك شيئاً واحداً لا يتغير: تلك الروح التي ترفض أن تتخلى عن الحياة. ربما لهذا أحببت لبنان أكثر هذه المرة. لم أعد إليه لأرى البحر والجبال والمطاعم والمقاهي فقط. عدت لأرى كيف يمكن لبلد أن يحمل كل هذا القدر من التعب، ويصر على أن يضحك، ويغني، ويأكل، ويحب، ويعيش. 
مرت أربعة ليالٍ وخمسة أيام أسرع مما تمنيت، لكن عدت منه محملاً بالكثير من الصور، والضحكات، والأصوات، والروائح، والحكايات، وفهمت شيئاً بسيطاً أن بعض البلاد تزورها، وبعض البلاد تترك جزءاً منها فيك، أما لبنان بكل تناقضاته وجماله ووجعه وفرحه، واحد من تلك البلاد التي لا تغادرها تماماً حتى بعد أن تغادره!
© All Rights Reserved. Designed by I.T.S