أسماء وهبة

الى أي جنوب سنعود؟!

لا جنوب نعود اليه!

لو خرجت اسرائيل الآن من الأراضي اللبنانية التي تحتلها في الجنوب، وسلمت ما يعرف بـ “المناطق الصفراء”، وتوقفت عن جرف المنازل، والقرى، والبلدات، فإلى أي جنوب سيعود الجنوبيون؟!

لم يبق شيء!

باتت بلدات مثل “الطيبة”، “قانا”، “بنت جبيل”، “ميس الجبل”، “الناقورة”، “الخيام”، “كفر كلا”، “العديسة”، كومة من الباطون والحجارة، بعد أن استنتسخت اسرائيل نموذج غزة في أكثر من 60 بلدة جنوبية. دمرتها عن بكرة أبيها. أحرقت بساتينها ومزروعاتها وأشجارها. بمعنى آخر حتى لو عاد الجنوبيون الآن الى قراهم، وقبلوا العيش في خيم جوار منازلهم المهدمة، فماذا سيعملون؟! ومن أين سيأكلون ويشربون؟!

أحرقت اسرائيل كل مقومات الحياة في بلدات الجنوب، من المصانع التي انعشت اقتصاده خلال العشرون عاما الأخيرة، وطمرت محلاته التجارية، التي كانت مقصد العديد من اللبنانيين، الذين ربما لم يزوروا الجنوب يوما، لكن بفضل طاقة الجنوبيون النابضة حولوا الجنوب الى مساحة استثمار عامرة بالحياة، حتى أنه بات قبلة سياحية خلال السنوات الثلاث التي سبقت حرب اسناد غزة عام 2023، حيث تميزت منتجعات الجنوب السياحية بالـ “فخفخة” والأسعار المدروسة، فجذب لبنانيون من كل أرجاء الوطن، لتمضية يوم أحد غني بجمال الجنوب!

لم يبقى شيء من تلك المحلات ولا البضائع أما المنتجعات السياحية فسويت بالأرض!

ماذا عن بساتين الزيتون والتين والعنب، التي يشتهر بها الجنوب اللبناني، وهي مصدر فخر وعز الجنوبيون، فلا يوجد بيت في جنوب لبنان الا ويملك بستان تين صغير، أو شجرة زيتون، تربطه بأصله وذاكرته وهي بالطبع مصدر عيشه، لكن عن أي زيتون نتحدث؟ وأي تين أو عنب ننتظر؟!

كان ينتظر الجنوبيون موسم التين ثم العنب ثم الزيتون، لتأمين احتياجات عائلاتهم خلال عام كامل، من بيع تلك الفاكهة أو عمل المونة الجنوبية. قطعت أرزاق عائلات بأكملها بسبب حرب عبثية! “انخربت بيوتهم”، بعد أن فقدوا مصدر عيشهم، وأصيب الكثير منهم بأمراض السكري والضغط والقلب، وهم يتفرجون على أراضيهم المحروقة، ويعون جيدا أن رفع آثار الحريق يحتاج الى سنوات تفوق ما يمكن أن يعيشوه!

لم يبقى شيء في الجنوب!

يقولون أن الجنوب يحتاج خمس سنوات للعودة كما كان قبل حربي 2024 و.2026 ربما تكفي تلك السنوات الخمسة لرفع الردم، واعادة بناء المنازل، لكن من يعيد الى الجنوبيون بساتينهم وشجر الزيتون؟! من يعوض عنهم خسارة أرزاقهم، من يمنحهم صحتهم التي فقدوها قهرا على “البهدلة” وضياع جنى العمر؟!

يعيشون الجنوبيون على أمل العودة الى الجنوب، وهم يعون جيدا أن أمنيتهم صعبة المنال، رغم سعي الدولة اللبنانية بكل قواها لاستعادة أرضنا المحتلة، ولو “شبر بشبر”!

من يجبر خاطر الجنوبيون المكسور، وهم يطالعون باقي اللبنانيون الذاهبون الى قراهم، في العرقوب، والبقاع، والشمال، والجبل، فيما هم محبوسون في مدن النزوح، التي لا تشبههم!. أتذكر هنا سيدة جنوبية أربعينية من بلدة “ميس الجبل” وهي تقول لي بقهر كبير: “كيف بدي عيش بهالشقة ببيروت؟! أنا معودة على ساحة الدار ببيتي. صحيح على قدي.. بس هيدا بيتي. باكل من الجنينة، وأسقي زرعاتي، وألعب مع بسيتاني”. احترق منزل تلك السيدة، بعد أن اختبأ فيه عناصر حزب الله، الذين خلعوا بابه، وتحصنوا فيه، فدمرته اسرائيل، بصاروخ خفيف. هرب عناصر حزب الله. رحلت المسيرة الاسرائيلية. بقي القهر و”قلة القيمة” لتلك المرأة، دون أي أمل بالتعويض عنها، أو العودة الى قريتها، وبالطبع خسرت منزلها.

ان ما يعيشه الجنوبيون مذبحة بكل ما للكلمة من معنى، فماذا يعني أن يؤخذ بيتك رغما عنك من حزب الله، ويستعمله مقاتليه مركزا عسكريا، أو للاختباء من اسرائيل، ثم يغادرون، تاركين وراءه رسالة، يطلبون”السماح” من أهل البيت، الذي تحصنوا فيه، ثم يأتي الصاروخ الاسرائيلي ليقصم ذلك المنزل نصفين، ويبقى صاحبه في الشارع، بلا “مصاري”، ومشردا، بعد أن كان “ابن عز”، ومكرما في بيته.

تجولت كثيرا في جنوب لبنان خلال الشهر الماضي. لا تجد سوى القهر، وكسر الخاطر، والخوف قابعا على وجوه الجنوبيون، حينما يسمعون قصف مدفعي اسرائيلي. يدك بلدات أحببناها مثل “كفر تبنيت” و”النبطية”. يرتعبون حين يحلق الطيران الحربي الاسرائيلي فوق رؤوسهم، بحثا ربما عن أحد عناصر حزب الله، الذي قد يتمشي بين بيوتهم، فيقنصه، ويهد منازلهم فوق رؤوسهم؟!

يصبح الموت هنا بالجملة اكراما لعناصر حزب الله!

ما يكسر القلب أن الجنوب قد اقتلع منا، وعندما سنعود اليه، وحتما سنعود اليه، لن يكفي العمر لتعويض ما خسرناه، وما نستطيع قوله الآن هو شكرا حزب الله، على أنك أعدت الاحتلال الاسرائيلي الى الجنوب، وشردت الجنوبيون، وجعلتهم بالفعل من المحرومين.

© All Rights Reserved. Designed by I.T.S