أسماء وهبة

بعدما قيل بالأمس أن ايران استهدفت سفية يونانية في ميناء “دمياط” المصري، دون تأكيد أو نفي للأمر، في تطور لو صدق حدوثه، عد تغير في مسار المواجهة الاقليمية، التي قد تضع دولة بحجم مصر في قلب الصراع، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بعد أشهر طويلة من الحرب الاميركية – الاسرائيلية على ايران: هل ايران أقوى أم أضعف الآن؟

ايران أضعف عسكريا بعد الحرب. دمر اسطولها البحري وقواتها الجوية. اغتيل المرشد الاعلى للجمهورية السيد علي خامنئي وكبار القادة العسكريين. تواجه حصار اقتصادي شرس جعل من ناتجها القومي صفر% في ظل صخب شعبي كبير على سقوط العملة الوطنية.

رغم هذا الواقع. ايران بعد الحرب أقوى من واشنطن على طاولة المفاوضات، والمفارقة أنها كانت تملك قبل الحرب ثلاثة ملفات للمفاوضة عليهما، الأول تخصيب اليورانيوم، الثاني الصواريخ الباليستية، الثالث وكلاءها في الاقليم مثل حزب الله، الا أنها اكتسبت بعد الحرب مزايا تفاوضية أخرى. أولا مازالت تحتفظ باليورانيوم تحت جبل الفأس. ثانيا أثبتت الصواريخ البالستية فعاليتها بعد أن وصلت الى قلب تل أبيب. ثالثا تنشيط الوكلاء بشكل أقوى مثلما فرضت على حزب الله فتح جبهة اسناد لها من الجنوب اللبناني. رابعا اغلاق مضيق هرمز ما شكل كارثة على أسعار النفط العالمية. خامسا التلويح بإغلاق مضيق باب المندب بواسطة الحوثي ما يعني ايقاف الحركة التجارية العالمية عبر البحر الأحمر وقناة السويس. سادسا استهداف دول الخليج والأردن للضغط على واشنطن واحراجها.

أجزم بأن ايران بعد الحرب أقوى على طاولة المفاوضات. هذا يفسر العناد الايراني والتشبث بمكتسبات طهران في اتفاق الـ 13 نقطة الموقع مع واشنطن. رغم أن كثيرون في الداخل الايراني من مؤيدي الحرس الثوري يعبترون التفاوض مع واشنطن تخاذل واستسلام!

هنا بدأ سؤال يتردد: متى سيعلن ترامب انتصاره على ايران؟

مازال النظام الايراني موجود. صحيح أنه ضعيف وهش “بس بعده قائم”! يتحكم في 20% من تجارة النفط العالمية. لا ينصاع للارادة الأميركية. يرفض الجلوس على طاولة المفاوضات. يظهر عند النظر الى هذه النقاط أن الادارة الأميركية فشلت في الحرب. لم يحقق الرئيس ترامب شيئا! قيل أنه نادم على مجاراة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أقنعه في نهاية عام 2025 بأن عملية نوعية لاغتيال المرشد الايراني علي خامنئي ستسقط النظام، فيتبين أن قتل المرشد لا ينهي النظام، بل مازال موجودا، لأنه نظام الحرس الثوري، الذي يمتلك 88% من مصافي البترول، وتصدير الفستق والكافيار والفوسفات والمنجنيز، ويمنح اعانات لـ 42 مليون ايراني من أصل 90 مليون! أي  أن نصف الايرانيون يدينون بالولاء للحرس الثوري، الذي يؤمن لهم قوت يومهم، في ظل نظام اقتصادي منهار، ما يعني أن الانقضاض الشعبي عليه هو أمر مستحيل.

اذن نحن في حرب لم تنتصر فيها أمريكا ولم تنهزم فيها ايران! واشنطن غير قادرة على اجبار ايران على التفاوض. واشنطن غير قادرة سياسيا على تحمل نتائج توسيع الحرب، مثل احتلال جزيرة “خارج” الايرانية لفتح مضيق هرمز بالقوة، لأن ذلك قد يضع القوات الأميركية في مرمى نيران الصواريخ الايرانية، وسيسقط قتلى كثر في صفوف القوات الأميركية، وهذا ما لا تتحمله ادارة ترامب، الذي سيؤدي حتما الى خسارة الحزب الجمهوري انتخابات التجديد النصفي للكونغرس نهاية العام.

ما يمكن أن نخلص اليه من هذه الحرب “العبثية”. يوجد في الاقليم شريرين. الشرير الأول هو الاسرائيلي، الذي يريد السيطرة على المنطقة أمنيا، وتزعمها سياسيا، واقامة تطبيع بالنار مع الدول الصغيرة مثل لبنان . الشرير الثاني هو الايراني الذي أثبتت الحرب خطر نظامه على جيرانه وفي مقدمتها دول الخليج، عبر قصفها وابتزازها، بالإضافة الى استغلال وكلاءها من الميليشيات الارهابية مثل حزب الله، لجعل دولة ضعيفة مثل لبنان الى ساحة قتال لصالحها، ومن ثم استخدامها كورقة ضغط على طاولة المفاوضات، أما واشنطن فهي عاجزة عن لعب دور ضابط الايقاع في الاقليم، وضبط التوازن فيه، حتى لا تجر المنطقة الى حرب كبرى.

لقد نبهت هذه الحرب الجميع الى خطر الشرير الاسرائيلي والشرير الايراني، وضرورة عدم تسليم المنطقة لأي منهما، فكلاهما لا يمكن الثقة به!

© All Rights Reserved. Designed by I.T.S