د. سعيد محمد أبو رحمه

في أغنية فيروز الشهيرة “طيري يا طيارة” كانت الطائرة صورة للحلم والحرية والرحيل نحو مكان أجمل. طائرة تحمل خيال الطفل وأمنياته. تحلق فوق الأرض دون أن تهدد من عليها، أما في غزة، فقد أصبحت السماء تحمل معنى مختلفًا، طائرات حربية ومسيّرات، وحتى الطائرات الورقية والبالونات باتت تدخل في لغة الحرب والتهديد. من هنا تبدو المفارقة المؤلمة، فما يلفت في التهديدات الإسرائيلية الأخيرة ليس الطائرات الورقية بحد ذاتها، إنما التلويح بإخلاء مناطق سكنية كاملة بسبب إطلاقها.

لم تكتف إسرائيل بالتهديد باستهداف من تطلق عليهم المسؤولية، بل وسّعت دائرة التهديد، لتشمل السكان والمناطق التي يُعتقد أن هذه الوسائل تنطلق منها. هنا تكمن الخطورة لأن إخلاء منطقة في غزة لا يعني نقل بضعة أشخاص، إنما دفع أحياء مكتظة بالسكان إلى النزوح في مساحة جغرافية محدودة، كما أن ترك المناطق المستهدفة دون تحديد واضح يجعله مفتوحًا وقابلًا للتوسع، بحيث يمكن أن تتحول أي ذريعة أمنية لاحقًا إلى مبرر لإخلاء منطقة جديدة.

إن السؤال الحقيقي ليس ماذا ستفعل إسرائيل بالطائرات الورقية بل ماذا تريد أن تفعل بالمناطق التي تربطها بها؟
إذا تحولت الطائرة الورقية إلى ذريعة لإخلاء حي أو منطقة، فإن القضية تتجاوز الطائرة نفسها، إلى احتمال استخدام الذرائع الأمنية، لإعادة تشكيل الخريطة السكانية والميدانية في غزة، وفي مفارقة شديدة القسوة كانت فيروز تقول: “طيري يا طيارة” كدعوة إلى الحلم، بينما أصبحت الطائرة في غزة مرتبطة بالخوف والنزوح، فالطائرة الورقية قد تسقط خلال دقائق، أما التهجير إذا بدأ فقد يترك أثرًا على الأرض يصعب التراجع عنه.
© All Rights Reserved. Designed by I.T.S