كاترين هاشم

لا يمكن التعامل مع المشاريع التي تُقدَّم تحت عناوين مثل «بناء السلام» و«التفاهم المتبادل» باعتبارها مفاهيم محايدة بصورة مطلقة، خصوصاً في منطقة ما زالت تعيش آثار الحروب والاحتلالات والصراعات الممتدة، فهذه المصطلحات لا تُقرأ بمعزل عن السياق السياسي والتاريخي الذي تتحرك داخله، ولا عن طبيعة الجهات التي تمولها وتصوغها وتديرها، ولا عن طبيعة الشركاء المنخرطين فيها.
من هنا تثير مشاريع «مختبرات بناء السلام» (Peace building Lab) تساؤلات مشروعة، خاصة عندما تستهدف فئات عمرية حساسة. ما زالت في طور بناء وعيها السياسي والاجتماعي والوطني، أو عندما تنشأ ضمن شراكات عابرة للحدود. تضم مؤسسات عربية وأوروبية وإسرائيلية ذات تمثيل أمني واضح، تحت عناوين تتعلق بالحوار، والتبادل الثقافي، والقيادة، والرياضة من أجل السلام، والتعاون الرقمي.
من موقعنا في لبنان، تبدو هذه الأسئلة أكثر حساسية من كثير من البيئات الأخرى. لبنان ليس مجرد دولة مشاركة في مشروع إقليمي، بل مجتمع، يحمل ذاكرة حية للصراع مع إسرائيل، بكل ما رافقه من حروب، واعتداءات، واحتلالات، وتداعيات سياسية واجتماعية وثقافية. لهذا فإن أي مشروع يضم شريكاً إسرائيلياً يستدعي التوقف عنده، بغض النظر عن العناوين التي يحملها، ولا يقتصر الأمر على البعد السياسي فقط، بل يمتد إلى البعد الثقافي والاجتماعي أيضاً، فالكثير من اللبنانيين ما زالوا يتعاملون بحذر شديد مع أي مبادرات، يمكن أن تُفهم على أنها إعادة صياغة للعلاقة مع المؤسسات الإسرائيلية، أو إعادة تعريف لطبيعة الصراع القائم، ويصبح من الطبيعي أن تُطرح أسئلة حول هذه المشاريع ورسائلها وأهدافها الحقيقية.
في الأردن، رغم اختلاف الظروف السياسية، فإن حساسية الملف لا تقل أهمية، فهو يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقضية الفلسطينية على المستويات التاريخية والاجتماعية والإنسانية، ويضم أعداداً كبيرة من الشباب الذين لا ينظرون إلى الصراع باعتباره حدثاً من الماضي، بل قضية ما زالت حاضرة في الوعي الجمعي، لذلك تبقى المشاريع التي تضم أطرافاً إسرائيلية موضع شك وريبة داخل قطاعات واسعة من المجتمع الأردني، خاصة عندما تستهدف فئات شبابية، في مراحل مبكرة من تشكل وعيها الوطني، لكن الحساسية تبلغ ذروتها في فلسطين!
لا نتحدث هنا عن نزاع بعيد أو ملف سياسي خارجي، بل عن شعب يعيش واقع الاحتلال بصورة مباشرة، بالتالي أي مشروع يتحدث عن «بناء السلام» أو «التفاهم المتبادل» يجد نفسه تلقائياً أمام حقيقة تتعلق بكيفية تقديم الصراع للمشاركين، وموقع الاحتلال من الخطاب المطروح، وحدود الحديث عن السلام في ظل واقع غير متكافئ على الأرض.
لا تتعلق المسألة فقط بوجود مؤسسة إسرائيلية ضمن شبكة الشركاء، التي يمثلها بشكل واضح ضابط أمن إسرائيلي بارز، يخدم في الجيش، إضافة إلى أكاديميين جرى توظيفهم من النخبة الأكاديمية، وهو أمر يلفت الانتباه، بل بالخلفية الرمزية والفكرية التي تمثلها تلك المؤسسة.
ان المؤسسة الإسرائيلية المشاركة تحمل اسم «غوردون» (Gordon)، وهو اسم يرتبط بأحد الرموز التاريخية للحركة الصهيونية المبكرة، وهي دلالة ليست بحاجة إلى شرح مطول بالنسبة لكل من يتابع تاريخ المشروع الصهيوني ورموزه المؤسسة، لذلك فإن وجود مؤسسة تحمل هذه المرجعية الرمزية ضمن مشروع يستهدف شباباً عرباً من لبنان والأردن وفلسطين يضيف بعداً آخر إلى النقاش الدائر حول طبيعة هذه البرامج وأهدافها.
يلفت الانتباه الدور البارز الذي لعبه أكاديميون إسرائيليون في المراحل التحضيرية للمشروع، فبحسب الأنشطة والاجتماعات المعلنة، شهدت المرحلة السابقة لإطلاق الأنشطة سلسلة من اللقاءات الافتراضية، التي شارك فيها عدد من الأكاديميين والخبراء، بهدف وضع التصورات العامة للبرنامج، ومناقشة أدوات التنفيذ والأنشطة الموجهة للشباب، ولا تكمن أهمية هذه المشاركة في عدد اللقاءات فحسب، بل في طبيعة الدور الذي يؤديه الأكاديميون أنفسهم، باعتبارهم مساهمين في صياغة المضامين والأفكار والرسائل التي ستُطرح لاحقاً أمام المشاركين.
يستهدف أي مشروع فئات عمرية شابة خاصة الفتيات على نحو كثيف. لا يمكن اعتبار اختيار الأكاديميين المشاركين أمراً عابراً، فالأكاديمي لا يقتصر دوره على تقديم المعرفة التقنية أو الإدارية، بل يساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تشكيل النقاشات، وتحديد المفاهيم، وصياغة المقاربات الفكرية، التي يجري تداولها داخل المشروع.
من هنا يصبح من المشروع التساؤل عن طبيعة المرجعيات الفكرية، التي يحملها المشاركون في تصميم هذه البرامج، وأثر ذلك على المخرجات النهائية التي ستُقدم للشباب.
تزداد أهمية هذا النقاش عندما نعلم أن المشروع يستهدف فئات عمرية تتراوح بين 15 و20 عاماً، وهي مرحلة تتشكل فيها المفاهيم الكبرى، المتعلقة بالهوية والانتماء والعدالة والحقوق، والعلاقة مع الآخر. لهذا فإن أي برنامج دولي يُقدَّم لهذه الفئة، لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد نشاط شبابي عابر، بل مساحة ذات أثر واضح، في تشكيل الوعي الفردي والجمعي للمشاركين، وربما أبعد من ذلك بكثير في ما يتعلق بالتأثيرات الفكرية والسلوكية طويلة الأمد.
فما طبيعة الرسائل التي يتلقاها هؤلاء الشباب؟
وكيف يُقدَّم لهم مفهوم السلام؟
هل يجري تناول الصراع من زاوية تاريخية وسياسية مرتبطة بالحقوق والعدالة والاحتلال، أم من زاوية ثقافية واجتماعية تركز على التقارب والحوار بين الأفراد؟
هل يحصل المشاركون وأهاليهم على صورة كاملة وواضحة عن جميع أبعاد هذه الشراكات وطبيعة الأطراف المنخرطة فيها؟
ما الهدف النهائي من تهيئة الأرضية أمام أعداد كبيرة من الشباب العرب للانخراط في مثل هذه البرامج؟
ما هي المآلات المحتملة لنتائج هذا النوع من الأنشطة؟
تحمل تلك المفاهيم الكثير من القيم الإنسانية الإيجابية، لكن يبقى السؤال مرتبطاً بالإطار السياسي الذي تُقدَّم داخله، وبالمرجعيات التي تحكمها، والحدود الفاصلة بين تعزيز الحوار المشروع وبين إعادة صياغة بعض المفاهيم الوطنية الحساسة لدى الأجيال الجديدة، التي ما زالت في مرحلة التكوين الفكري والثقافي.
قد ينخرط كثير من المشاركين في هذه المشاريع بدافع اكتساب الخبرة، أو التعلم، أو الانفتاح على تجارب جديدة، دون أن تكون لديهم معرفة تفصيلية بجميع أبعاد الشراكات القائمة، ومضامينها وأهدافها وآثارها المحتملة.
تبرز هنا أهمية الشفافية، وحق المجتمعات والأهالي في معرفة طبيعة البرامج التي تستهدف أبناءهم، والجهات التي تقف خلفها، والرسائل التي تسعى إلى إيصالها.
وفي ظل كل ما سبق، يبقى النقاش مفتوحاً، والأسئلة مشروعة، لأن الوعي ليس تفصيلاً، فالأجيال الجديدة ليست مجرد جمهور مستهدف لبرامج عابرة، بل هي التي ستصوغ مستقبل المنطقة وهويتها وخياراتها في السنوات المقبلة.
وما خفي أعظم!