بقلم / د. سعيد محمد ابو رحمه
يشكل إقرار الكنيست الإسرائيلي لما يُعرف بقانون “محاكمة النخبة”، محطة مفصلية في مسار التعاطي الإسرائيلي مع الأسرى الفلسطينيين بعد السابع من أكتوبر، ليس فقط من الناحية القانونية، وإنما أيضًا من حيث التحولات السياسية والأمنية داخل إسرائيل نفسها.
يعكس القانون انتقال المؤسسة الإسرائيلية من مرحلة إدارة الصراع وفق قواعد أمنية تقليدية، إلى مرحلة تسعى فيها لإعادة صياغة مفهوم العقاب والردع بصورة استثنائية، مدفوعة بحجم الصدمة التي تعرض لها المجتمع الإسرائيلي، وبصعود التيار اليميني المتطرف داخل حكومة بنيامين نتنياهو.
اللافت في هذا القانون أنه لا يقتصر على إنشاء محاكم عسكرية خاصة، بل يؤسس لنظام قضائي استثنائي موازٍ. يستهدف فئة محددة من الأسرى الفلسطينيين المرتبطين بأحداث السابع من أكتوبر. هنا تكمن خطورته. إذ إن إسرائيل تحاول من خلاله تحويل المواجهة مع الفلسطينيين من إطار الصراع السياسي والأمني إلى إطار المحاكمات التاريخية، بما يشبه محاكمات ما بعد الحروب الكبرى، وهو ما يمنح هذه المحاكمات بعدًا رمزيًا وإعلاميًا/ يتجاوز البعد القضائي.
يمنح القانون المحاكم العسكرية صلاحية فرض عقوبة الإعدام، وهي خطوة ذات دلالة عميقة داخل المشهد الإسرائيلي، فعلى الرغم من أن اليمين الإسرائيلي طالب لسنوات طويلة بإقرار الإعدام بحق الفلسطينيين، فإن المؤسسة القضائية والأمنية كانت تتردد في الذهاب نحو هذا الخيار، خشية التداعيات السياسية والأمنية والدولية، لكن المزاج الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر غيّر الكثير من الحسابات. إذ أصبحت الحكومة أكثر استعدادًا لتبني سياسات متشددة، لإظهار استعادة الردع، خاصة في ظل الاتهامات التي تواجهها حكومة نتنياهو بالفشل الأمني والسياسي.
إن القانون يخدم نتنياهو وائتلافه اليميني على أكثر من مستوى، فمن جهة يمنح اليمين المتطرف إنجازًا أيديولوجيًا طال انتظاره، يتعلق بعقوبة الإعدام، ومن جهة أخرى، يحاول امتصاص الغضب الشعبي الإسرائيلي، عبر تقديم صورة مفادها أن الدولة تتجه نحو عقاب تاريخي ضد الفلسطينيين، المتهمين بالمشاركة في هجوم السابع من أكتوبر، كما أن الحكومة تحاول من خلال هذه الخطوة إعادة ترميم صورتها أمام المجتمع الإسرائيلي، بعد التراجع الكبير في الثقة بالمؤسسة الأمنية والسياسية.
الأكثر أهمية هو البند الذي ينص على منع الإفراج عن المحكومين أو المتهمين بجرائم قد تصل عقوبتها إلى الإعدام ضمن أي صفقات تبادل مستقبلية.
يكشف هذا البند أن إسرائيل لا تفكر فقط في العقوبة، بل تسعى أيضًا إلى تفكيك أحد أهم عناصر القوة الفلسطينية، وهو ملف الأسرى، لذلك يبدو أن إسرائيل تريد إغلاق الباب قانونيًا أمام أي تكرار مشابه، لكن رغم ذلك فإن التجربة التاريخية تشير إلى أن القوانين الإسرائيلية كثيرًا ما اصطدمت بضرورات الواقع السياسي والأمني، فإسرائيل سبق أن أعلنت في أكثر من مناسبة رفضها الإفراج عن أسرى ملطخة أيديهم بالدماء، لكنها عادت وأفرجت عنهم، تحت ضغط التفاوض، أو الحاجة لاستعادة جنودها وأسرىها، لذلك فإن هذا البند قد يكون أقرب إلى محاولة ردع نفسية وسياسية، أكثر منه التزامًا نهائيًا غير قابل للتراجع، أما تقسيم المحاكمات جغرافيًا، مثل محكمة خاصة بمنطقة باري، وأخرى لـنير عوز، وثالثة لـحفلة نوفا فهو يحمل أبعادًا نفسية وإعلامية واضحة، فإسرائيل تسعى إلى ربط كل محاكمة بالموقع الذي شهد الهجوم، بما يعزز الرواية الإسرائيلية داخليًا، ويحول المحاكمات إلى جزء من الذاكرة الجمعية الإسرائيلية، كما أن هذا التقسيم يساعد الحكومة على إدارة الملف إعلاميًا، بطريقة تضمن استمرار حالة التعبئة الشعبية لفترة طويلة.
إن محاكمة النخبة ليست مجرد إجراء قانوني عابر، بل تعكس تحولًا إسرائيليًا أوسع، نحو إدارة الصراع بمنطق العقاب الجماعي، والتشدد القانوني والأمني. هي خطوة تحمل أبعادًا سياسية وانتخابية ونفسية وقضائية. قد تتحول مستقبلًا إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل إسرائيل وخارجها خاصة إذا دخلت أحكام الإعدام حيز التنفيذ الفعلي.