بقلم / راشد فايد
سؤال بسيط يطرحه حتى اصحاب العقول البسيطة، لاسيما من نزح عن أرضه، ودُمّر بيته، وقد بناه بذل الإغتراب وشقائه، يوم كان الإغتراب طلاقا مع الأهل والبلد، لبعد المسافات وصعوبة التواصل.
السؤال البسيط هو: ماذا يجني لبنان أو سيجني من استمرار مقارعة اسرائيل بلا تكافؤ في القدرات، وبلا استعداد سابق، أو غير كاف، كما أثبتت الوقائع في مجزرة البيجر، التي دخلت في مرجعيات المخابرات العالمية، لدقة تنفيذها، وأبعاد نتائجها، خصوصا أن تجنب ذكرها لن يؤدي الى طمس آثارها؟!
لا يكون جواب السؤال بالتذكير بعمليات ضد العدو الإسرائيلي بوتيرة شبه يومية، أقساها عليه تدمير ميركافا يتراوح ثمنها بين 7 و11 مليون دولار، فيما بالمقابل تباد عشرات البلدات والقرى في جنوب لبنان، ويسقط ضحايا بالعشرات يوميا، ويقترب عددهم من الـ 3 آلاف، فيما يناهز عدد المصابين الـ 10 آلاف، والنازحين مليونا و300 ألف، أما الخسائر فتقدر بين 5 و7مليار دولار، وثلث سكان لبنان يواجهون انعدام الأمن الغذائي، وبلغت الخسائر الاقتصادية 14 مليار دولار، شاملة الزراعة والسياحة والتجارة والبنية التحتية.
لا يتردد الحزب الأصفر في إشهار إصراره عل أن يكون لبنان ورقة في يد ايران، وإلّا لما انخرط في حربي “إسناد وإشغال” في غزة، ثم على جبهة طهران، مع وعيه بأنه يعرض لبنان لتوحش اسرائيلي لا يرحم، بينما تكتفي القوى الدولية التي تراعي حاضنته الفارسية بالدعوات الصالحات!
ليس مغزى ما تقدم الدعوة الى تفاوض بأي ثمن، بل وفق ما حدده رئيس الجمهورية من خطوات. أولها الإنسحاب من أراضي لبنان المحتلة، وتسليم الحزب سلاحه للدولة، ومعه سلاح الحرس الثوري المتسلل الى الضاحية والجنوب، إضافة إلى إرساء هدنة شاملة مع وقف لكل الإعتداءات الإسرائيلية البرية والجوية والبحرية، وتقديم الدعم اللوجستي الضروري للقوى المسلحة الوطنية، فيما يبدأ لبنان واسرائيل مفاوضات مباشرة برعاية دولية للوصول إلى تنفيذ ما سبق.
يضع الحزب شروطا مضادة تنسف الطريق إلى حل كأن لا دولة في لبنان! هو من عمل على تقويض بنيانها، واستبدالها بدولة عميقة مرتهنة لقراره، في كل مناحي الحياة العامة، منذ وجد في ثمانينات القرن الفائت، وحوّل دولة ذات سيادة الى جمهورية هشّة. كان توقعها مايكل كريغ هدسون وهو من أبرز علماء السياسة الأميركيين المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط ولبنان. اشتهر بكتابه «الجمهورية الهشّة: التحديث السياسي في لبنان» (1968)، الذي قدّم رؤية نقدية متشائمة حول مستقبل النظام السياسي اللبناني.
يتسم الوضع السياسي في لبنان اليوم بأزمة بنيوية عميقة: غياب احتكار الدولة للسلاح، انهيار اقتصادي واجتماعي، وتعطيل مؤسساتي، يفاقمه النزاع مع إسرائيل، وما خلفه من دمار ونزوح واسع. تفرمل هذه العوامل مجتمعة أي مسار إصلاحي أو استقرار سياسي، وتضع البلاد في مواجهة إشكاليات سياسية، طليعتها أزمة السيادة، وانهيار اقتصادي واجتماعي.
يعاني لبنان منذ 2019 من انهيار مالي، وغياب إصلاحات بنيوية في المالية العامة والمصارف، وتراجع الإنتاجية، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة. يضاف إلى ذلك تعطيل اتفاق الطائف، والاستحقاقات الانتخابية، وما خلفته حربي 2024 و2026 مع إسرائيل، من دمار واسع في البنية التحتية والمساكن، مع تقديرات خسائر تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، بينما يعيش أكثر من 1.1 مليون نازح داخلي ظروفًا إنسانية صعبة، مع فجوة كبيرة بين الاحتياجات والاستجابة الإنسانية المستمرة. رغم وقف إطلاق النار المزعوم في نيسان/ابريل الماضي 2026، الذي تخرقه اسرائيل في كل لحظة من كل 24 ساعة، ولبنان يلملم جثث القتلى والجرحى بالآلاف، فيما دونالد ترامب ينسى إعلانه الشهر الماضي أنه أبلغ حليفه الأسمى اسرائيل أن “كفى تعني كفى”، لكن يبدو أن رسالته لم تصل الى مسامع تل أبيب!
كانت كتابات أكثر علماء السياسة والاجتماع في لبنان والغرب، ترى في لبنان نموذجا صالحا لدول العالم النامي، لكن لبنان اليوم نموذج للدولة الهشة كما وصفه هدسون قبل أكثر من 50 سنة. لا سيادة كاملة ولا قدرة على تنفيذ بنود المقترح الرئاسي. البلد تائه بين دويلة لا شرعية. تملك القدرة على تخريب الحلول إلّا ما يأتي من طهران ومضيق هرمز، ودولة شرعية في العناوين منذورة للضياع.
© All Rights Reserved. Designed by I.T.S