بقلم: د . سعيد محمد ابو رحمه 

تشير التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى ما يمكن اعتباره نقطة انعطاف حساسة في مسار الحرب على غزة، حيث تحدث عن مؤشرات مشجعة تتعلق بإمكانية التوصل إلى تفاهمات حول نزع سلاح حماس.
هذه التصريحات رغم أنها تبدو في ظاهرها تفاؤلية، إلا أنها تحمل في عمقها تحولات استراتيجية، تتجاوز مجرد التهدئة، أو وقف إطلاق النار، لتلامس جوهر الصراع، وطبيعة النظام السياسي والأمني، الذي يُراد فرضه في مرحلة ما بعد الحرب.
في السياق التقليدي كانت الجهود الدولية تركز على احتواء التصعيد، ومنع الانفجار الشامل، لكن ما يجري اليوم يعكس انتقالًا واضحًا نحو مقاربة تقوم على إعادة تشكيل البيئة الأمنية في قطاع غزة!
لم يعد الحديث يدور فقط حول وقف العمليات العسكرية، بل حول إنهاء الدور العسكري لحماس، كشرط مسبق لأي ترتيبات سياسية قادمة. يعكس هذا التحول قناعة أمريكية متزايدة بأن أي استقرار مستدام في غزة لن يكون ممكنًا دون تفكيك البنية العسكرية للحركة، وهو ما يضع الصراع أمام معادلة صفرية: إما نزع السلاح أو استمرار دوامة المواجهة.
غير أن هذه المقاربة تصطدم بواقع سياسي وأيديولوجي معقد، فحماس، التي بنت شرعيتها الداخلية والإقليمية على فكرة المقاومة، لا يمكن أن تقبل بسهولة التخلي عن سلاحها، لأنه يمثل جوهر وجودها السياسي. من هنا فإن الحديث عن مؤشرات مشجعة، قد لا يعني بالضرورة قبولًا مباشرًا بنزع السلاح، بل ربما يشير إلى مفاوضات غير معلنة. تبحث عن صيغ وسط، مثل إعادة هيكلة القوة العسكرية، أو وضعها تحت مظلة وطنية أوسع، أو حتى تجميد استخدامها ضمن ترتيبات مرحلية.
يبرز في هذا الإطار الدور الإقليمي كعامل حاسم في إنجاح أو إفشال هذا المسار. يعكس انخراط دول مثل مصر وتركيا في جهود الوساطة، محاولة لإضفاء شرعية أوسع على أي اتفاق محتمل، وتخفيف الطابع الأمريكي-الإسرائيلي عنه، كما أن هذه الدول تمتلك قنوات اتصال مباشرة مع حماس، مما يمنحها قدرة نسبية على التأثير في مواقفها، وإن كان ذلك لا يضمن تحقيق اختراق حاسم.
في المقابل لا يمكن فصل هذه التحركات عن الضغوط العسكرية المستمرة، التي تُستخدم كأداة لدفع الأطراف نحو القبول بتسويات لم تكن مطروحة سابقًا.
تحمل تصريحات روبيو في طياتها رسالة واضحة. الخيار الدبلوماسي ما زال قائمًا، لكنه ليس مفتوحًا إلى ما لا نهاية، وفي حال فشل المفاوضات، فإن البديل قد يكون العودة إلى التصعيد، وهو سيناريو لا تفضله واشنطن، لكنه يظل حاضرًا كأداة ضغط.
الأهم من ذلك أن الحديث عن نزع سلاح حماس يرتبط بمشروع أوسع لإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني الداخلي، فإضعاف أو تفكيك القوة العسكرية للحركة، سيؤدي إلى إعادة توزيع موازين القوى، وربما يفتح الباب أمام إعادة تمكين السلطة الفلسطينية في غزة، ضمن ترتيبات دولية وإقليمية معقدة، كما أن أي محاولة لفرض واقع جديد في غزة دون معالجة الجذور السياسية للصراع، وعلى رأسها الاحتلال، وغياب أفق الحل السياسي، قد تؤدي إلى نتائج عكسية، فالتاريخ القريب والبعيد يثبت أن الحلول الأمنية، مهما بلغت شدتها، لا يمكن أن تنهي الصراع، بل قد تعيد إنتاجه بأشكال أكثر تعقيدًا.
اذن تعكس تصريحات روبيو محاولة أمريكية لدفع الصراع نحو مرحلة جديدة، عنوانها إعادة تشكيل الواقع الأمني والسياسي في غزة، لكن نجاح هذه المحاولة يبقى مرهونًا بقدرة الأطراف المختلفة على تقديم تنازلات جوهرية، وهو أمر لا يبدو سهلًا في ظل التعقيدات القائمة، وبين التفاؤل الحذر، والواقع الصلب، تبقى غزة عالقة بين خيارين: تسوية صعبة قد تعيد رسم ملامحها، أو استمرار صراع مفتوح، يعيد إنتاج الأزمات نفسها بأدوات مختلفة!
© All Rights Reserved. Designed by I.T.S