أثارت الطالبة التي راسلت المتحدث باسم جيش الدفاع الاسرائيلي أفيخاي أدرعي جلبة كبيرة، بعد أن ادعت وجود أسلحة مخزنة في مدرستها، وتطلب منه قصفها، كي “يخلصنا منها”، الشيء الذي استوقف الكثيرون، بأن تتمنى مراهقة تدمير مدرستها بهذا الشكل العنيف.

من هنا توجهت منصة Trending News الى المستشارة النفسية والاخصائية في إعادة تكوين الهوية العاطفية ريما ترمس لتحليل أبعاد السلوك النفسي للفتاة!

كيف تُقيّمين نفسياً تصرّف الطالبة؟

من منظور نفسي، هذا السلوك لا يمكن اعتباره “مزحة بسيطة” أو تصرّفاً عابراً. نحن أمام فعل اندفاعي عالي الخطورة، لأن الطالبة لم تلجأ إلى وسيلة عادية للتعبير عن رفضها أو غضبها أو خوفها، بل استخدمت رمزاً عسكرياً، مرتبطاً بالخطر والحرب والتهديد. يمكن قراءة هذا السلوك نفسيا كنوع من التفريغ السلوكي. أي أن الطالبة لم تستطع التعبير عن انفعال داخلي بطريقة ناضجة أو مباشرة، فحوّلته إلى فعل صادم في الواقع. قد يكون الدافع غضباً، خوفاً، رغبة في الهروب من المدرسة، محاولة تأجيل امتحان، شعوراً بالضغط، أو حاجة إلى لفت الانتباه، لكن مهما كان الدافع فالوسيلة التي اختارتها تكشف عن خلل واضح في تقدير العواقب. قد يعتقد المراهق هنا أن الرسالة عبر الهاتف لعبة أو استفزاز عابر. لا يستوعب أنها قد تفتح باب هلع جماعي، وتستدعي خوف الأهالي والأساتذة والطلاب، وربما إجراءات أمنية خطيرة. هنا يظهر تشوّه الإحساس بالعواقب عبر الشاشة التي تجعل الفعل يبدو بعيداً، خفيفاً، وغير ملموس، لكنها قد تنتج أثراً نفسياً وأمنياً كبيراً جداً. يدل هذا التصرف على اندفاع، ضعف في النضج الانفعالي، حاجة محتملة إلى السيطرة أو الانتباه، وربما غضب مكبوت.

لماذا قد تكره طالبة المدرسة إلى حد تمني تدميرها؟

قد لا تكون المسألة كرهاً واعياً ومباشراً للمدرسة نفسها. نفسياً، قد تتحوّل المدرسة في ذهن الطالبة إلى رمز لكل ما يضغط عليها، من الامتحانات، السلطة، المقارنة، الفشل، العقاب، التنمّر، الشعور بالإهانة، أو الإحساس بأنها غير مرئية. في بعض الحالات، لا يكره المراهق المكان بحد ذاته، بل يكره الشعور الذي يوقظه داخله. قد تكون المدرسة بالنسبة إليها مكاناً تشعر فيه بالعجز، أو الخوف، أو عدم القيمة، أو عدم السيطرة، وعندما لا يعرف المراهق كيف يعبّر عن هذا الألم بالكلام، قد يلجأ الى فعل تدميري أو صادم. قد لا تقول الرسالة فقط: “أريد تدمير المدرسة”، بل قد تقول نفسياً: “أريد أن أوقف المكان الذي يجعلني أشعر بالضغط. أريد أن يشعروا بالخوف كما أشعر أنا بالخوف”. يجب الانتباه هنا إلى نقطة مهمة. قد تكون الرغبة في تدمير المكان أحياناً تعبيراً رمزياً عن رغبة في تدمير الإحساس الداخلي بالعجز، لكن الخطر أنه سيتحول الى تهديد جماعي عند ترجمته إلى فعل حقيقي. اذن كره المدرسة بهذا الحجم، إن وُجد، قد لا يكون كرهاً للمبنى أو الطلاب فقط، بل كرهاً لتجربة نفسية داخلية مرتبطة بها، مثل الضغط، الخوف، الإذلال، الفشل.

 ما هو الحدّ النفسي الفاصل بين المزاح والإيذاء؟

ينتهي المزاح عندما يدخل الخطر الحقيقي إلى المشهد. يفترض أن يكون المزاح آمناً. لا يضع الآخرين في حالة رعب أو تهديد، أما عندما يستخدم الشخص لغة الحرب، أو يستدعي جهة عسكرية، أو يضع حياة طلاب وأساتذة في دائرة الخوف، فنحن لم نعد أمام مزاح، بل  سلوك مؤذٍ، حتى لو ادّعى صاحبه لاحقاً أنه “لم يكن يقصد”! لا تكفي النية لتحديد خطورة الفعل. يجب النظر إلى الأثر. لا تكمن الخطورة هنا في رسالة الفتاة فقط، بل في نوع الخوف الذي استُخدم. انه الخوف من القصف أو المسيّرات أو الاستهداف. ليس خوفاً خيالياً في مجتمع يعيش توتراً أمنياً، لذلك يصبح استخدامه كأداة للمزاح أو الانتقام أو لفت الانتباه مؤشراً على ضعف كبير في التعاطف، وفي إدراك أثر الفعل على الآخرين. اذن يتحول المزاح إلى إيذاء عندما يفقد عنصر الأمان وعندما يصبح الآخرون ضحايا للخوف. حينما يُستخدم تهديد الحرب لإخافة مدرسة كاملة فالأمر لم يعد مزاحاً بل سلوكاً نفسياً واجتماعياً خطيراً.

 أين العائلة من هذا السلوك؟

من الضروري طرح سؤال العائلة لكن من دون اتهام مباشر أو أحكام جاهزة. لا يمكن القول إن العائلة هي السبب دون معرفة البيت، العلاقة مع الأهل، نمط التربية، مستوى الرقابة، وطبيعة التواصل داخل الأسرة، لكن سلوك تلك الفتاة يفرض سؤالاً أساسياً: هل كانت مرئية داخل بيتها؟ هل كان هناك من يسمعها قبل أن تضطر إلى استخدام فعل صادم كي يسمعها الجميع؟ هل كان هناك احتواء عاطفي أم فقط رقابة وعقاب؟ ان نقص الاهتمام لا يعني دائماً غياب الأهل. أحياناً يكون الأهل موجودين، لكن الاولاد لا يشعرون بذلك، بسبب غياب حوار عاطفي حقيقي، فيبحث المراهق على الانتباه خارج القنوات الطبيعية. من الممكن أن الطالبة احتاجت إلى لفت الانتباه، لكن هذا لا يعني أنها كانت تبحث عن اهتمام لطيف أو حب مباشر، فأحياناً يقبل المراهق بالانتباه السلبي، مثل الغضب، الفضيحة، أو العقاب. المهم بالنسبة إليه التخلص من شعوره الداخلي: “لا أحد يراني”. هنا يجب مساءلة المدرسة. هل كانت هناك إشارات واضحة على الفتاة مثل العزلة أو التنمّر أو مشاكل سلوكية أوم علاقة عدائية مع الإدارة او تراجع دراسي أو خوف من امتحان أو تغيّر مفاجئ في المزاج؟! اذن قد يكون نقص الاهتمام أو ضعف الاحتواء جزءاً من الخلفية النفسية للسلوك. المطلوب تقييم نفسي وعائلي ومدرسي شامل، لأن الفعل لا يولد من فراغ، بل من شبكة ضغوط وانفعالات وعلاقات غير مفهومة.

ما دور الصدمة الجماعية والحرب في هذا النوع من السلوك؟

لا يمكن فصل هذا التصرف عن البيئة النفسية العامة. نحن لا نتحدث عن مراهقة تعيش في سياق طبيعي وهادئ، بل عن جيل يعيش في ظل أخبار الحرب، التهديد، القصف، المسيّرات، الإخلاءات، والخوف اليومي. هذا المناخ يؤثر في طريقة فهم المراهقين للخطر. قد يحدث تطبيع نفسي مع العنف عندما يتكرر مشهد الحرب يومياً على الشاشات. أي أن العنف يصبح مألوفاً، والتهديد يصبح لغة يومية، ويتحول الخوف إلى مادة للسخرية أو اللعب أو الاستفزاز. هنا تظهر مشكلة خطيرة: قد يستخدم المراهق رموز الحرب من دون أن يستوعب عمقها. قد يتعامل مع رسالة إلى شخصية عسكرية كما لو أنها جزء من لعبة رقمية، أو تحدٍّ على السوشيال ميديا، لا كفعل يهدد سلامة جماعة كاملة. هذا لا يخفف من خطورة السلوك لكنه يضعه داخل سياقه الأوسع. مجتمع مأزوم. أطفال ومراهقون يتعرضون لمحتوى عنيف. خوف جماعي غير معالَج. مدارس وعائلات لا تملك غالبا أدوات نفسية كافية للتعامل مع آثار الحرب على السلوك. اذن الحرب لا تخلق السلوك وحدها، لكنها قد تجعل أدوات الخطر أقرب إلى خيال المراهق، وتجعل استخدام الخوف أسهل وأكثر اعتيادية.

ما مسؤولية المدرسة في قراءة هذا النوع من السلوك قبل أن ينفجر؟

لا تعني المسؤولية اللوم المباشر، لكن المدرسة ليست فقط مكاناً للتعليم، بل هي أيضاً مكان لرصد التحولات النفسية والسلوكية لدى الطلاب، لذلك بعد حادثة بهذا الحجم، يجب ألا تكتفي المدرسة بالسؤال: “كيف نعاقب؟”، بل يجب أن تسأل أيضاً: “ما الذي لم نره؟” كان يجب البحث عن إشارات سابقة محتمل.: هل كانت الطالبة معزولة؟ هل كانت تتعرض للتنمر؟ هل كان لديها صراع مع أستاذ أو إدارة؟ هل أظهرت سلوكاً عدوانياً أو انسحابياً؟ هل كانت كثيرة الغياب؟ هل أطلقت تهديدات أو نكاتاً خطيرة سابقاً؟ هل كان هناك تغير مفاجئ في أدائها أو مزاجها؟ في علم النفس المدرسي السلوك الصادم غالباً لا يبدأ فجأة. قد تسبقه علامات صغيرة. غضب، تحدٍّ، استفزاز، رغبة في التخريب، أو شعور بالاضطهاد. المشكلة أن المدارس أحياناً ترى العلامات كسوء أدب فقط لا كرسائل نفسية تحتاج إلى تدخل. المدرسة ليست مسؤولة وحدها عن الفعل لكنها مسؤولة عن بناء نظام رصد واحتواء.

كيف يجب التعامل مع الطالبة بعد الحادثة نفسياً وتربوياً؟

يجب التعامل معها ضمن معادلة دقيقة: محاسبة دون تدمير وفهم من دون تبرير. من الخطأ تبرئة السلوك أو التعامل معه كأنه مزحة، لكن من الخطأ أيضاً تحويل قاصر إلى عدوة عامة، أو مادة للتشهير والانتقام الاجتماعي. قد يدمر التشهير هويتها النفسية ويدفعها إلى مزيد من الانغلاق أو الانفجار أو الكراهية. المطلوب نفسيا: اجراء تقييم نفسي فردي لمعرفة دافعها الحقيقي. هل هو خوف؟ غضب؟ انتقام؟ ضغط مدرسي؟ رغبة في الشهرة؟ نقص اهتمام؟ تنمّر؟ اضطراب في السلوك؟ أيضا يجب اجراء جلسات مع العائلة لفهم نمط العلاقة داخل البيت. هل هناك حوار، عنف، إهمال عاطفي، أو رقابة على استخدام الهاتف؟ يجب أن يحدث تدخل مدرسي تربوي، كي يشرح لها حجم الأذى الذي تسببت به، وأن تفهم أثر فعلها على الطلاب، الأساتذة، والأهالي. من المهم إلزامها بمسار إصلاحي لا انتقامي. يبدأ باعتذار، جلسات توعية، عمل تربوي حول السلامة الرقمية، وربما المشاركة لاحقاً في برنامج توعوي بعد التأكد من جاهزيتها النفسية. الهدف ليس كسر الطالبة بل كسر النمط السلوكي الخطير داخلها. قد يخيفها العقاب، لكنه لا يعلّمها، أما الفهم من دون محاسبة فقد يشجع التكرار، فالمطلوب الجمع بين الاثنين. من منظور نفسي، هذه الحادثة لا تختصر في سؤال: “هل كانت الطالبة تمزح أم لا؟” السؤال الأعمق هو: “ما الذي يجعل مراهقة تستخدم الخوف من الحرب كأداة للتعبير أو الانتقام أو لفت الانتباه؟” نحن أمام سلوك يكشف عن اندفاع، ضعف في تقدير العواقب، احتمال نقص احتواء، وربما حاجة إلى السيطرة أو الظهور، لكنه يكشف أيضاً عن مشكلة أوسع: جيل يعيش الحرب عبر الشاشة، ويتعامل أحياناً مع الخطر كأنه محتوى، لا كواقع قادر على تدمير حياة الناس، لذلك يجب أن تكون الرسالة واضححة، بأن نتفهم نفسياً دون تبرير، وأن نحاسب بلا تدمير، وأن نحمي المدرسة والمجتمع، لكن لا نحوّل قاصراً إلى ضحية تشهير، فالطالبة لم ترسل فقط رسالة، بل استخدمت شاشة صغيرة، لاستدعاء خوف كبير، وهذا ما يجعل السلوك نفسياً خطيراً، ويستحق معالجة عميقة.

© All Rights Reserved. Designed by I.T.S