أسماء وهبة
“لن أعود الى المنزل إلا إذا امتنع عن التاتو”..
هكذا وضعت “سهى” النقاط على الحروف..
سكت القاضي الشرعي أمام إصرارها على الطلاق. نظر الى زوجها “سامي” المستشيط غضبا، والواقف في الجهة المقابلة من قاعة المحكمة. حانق “سامي” على جرأة زوجته. طعنته في رجولته، بعد أن أجبرته على الوقوف قبالتها في المحكمة، لتملي عليه شروطها حتى تقبل الصلح والعودة الى المنزل.
ردّ “سامي” على نظرة القاضي بهدوء قائلا: “حضرة القاضي.. رسم التاتو لقمة عيشي ومهنتي الوحيدة التي أعرفها. لكن قبل أن تطلب مني زوجتي التخلي عن عملي لتقم بواجباتها الزوجية. إنها لا تهتم بنظافة المنزل. ولا تتوانى عن مخاطبتي بألفاظ قبيحة”.
اندفعت “سهى” ثائرة: “أنا؟؟! أنا أخاطبك بألفاظ قبيحة؟! لو فعلت ذلك فالفضل يعود إلى مهنتك المحرمة!”
صرخ “سامي” في وجهها: “عملي حلال 100%.. لم أخفي عنك عند زواجنا بأنني أرسم التاتو! ما الذي تغير الآن؟! أم هناك شخص آخر دفعك لطلب الطلاق!؟”
اضطربت “سهى”.. نظرت الى القاضي متوسلة حتى لا يصدق أكاذيب زوجها. امتقع وجهها بألوان الغروب الصفراء والحمراء والبرتقالية. تحاملت على نفسها مقتربة من زوجها بضعة خطوات قائلة: “اخرس.. أنا أشرف منك”!
طرق القاضي بقبضته على الطاولة لإنهاء الصراخ الدائر بين الزوجين في قاعة المحكمة. لم يكن ما يحدث بينهما من تبادل اتهامات وشتائم جديد عليه، في جلسات الخلع والطلاق والاستماع الزوجي. إلا أنه يتدخل دائما قبل تطور الشجار الى عراك بالأيدي.
قال القاضي: “سيتم تحويل القضية الى لجنة اصلاح ذات البين، التي ستقدم لي تقريرا بعد شهر من الآن عن امكانية الصلح بينكما أو التفريق والطلاق. انتهت الجلسة”.
في اليوم التالي حضرت “سهى” جلستها الاولى مع “اقبال” مندوبة لجنة اصلاح ذات البين في المحكمة الشرعية. امرأة في الخامسة والأربعين من العمر. بشوشة الوجه. توحي بالارتياح والثقة. جلست مع “سهى” في غرفة زجاجية صغيرة مكدسة بالملفات.
بادرتها بالحديث لكسر حاجز الارتياب قائلة: “نشرب قهوة؟” أومأت “سهى” برأسها موافقة، ثم تقاطر سيل الكلام بين السيدتين. سألتها “اقبال” عن طفلها الصغير “عمر” ذو العشرة أشهر. كان الحديث عنه السبب الوحيد الذي دفع “سهى” للابتسام. قالت “اقبال”: “من الجيد أننا تحدثنا عن عمر حتى أرى وجهك جميلا مشرقا”.
زفرت “سهى” وجعها مع الهواء الخارج من رئتيها: “استاذة اقبال.. أنا تعذبت في حياتي كثيرا. عشت في منزل عمي بعد وفاة والديّ. عاملتني زوجته معاملة سيئة. كنت خادمتها مقابل طعامي وشرابي ومنامتي. لم أعرف معنى الحنان. انتظرت العريس والزواج بفارغ الصبر حتى أتخلص من عذابي في منزل عمي، فوافقت فورا على الزواج من أول خطابي. كان زوجي “سامي”. تزوجنا زواجا تقليديا. عشت لأول مرة في منزل خاص بي. اكتشفت معنى أن تكون لي خزانة ملابس شخصية. عرفت رفاهية تناول الفطور ساعة أشاء، والاستيقاظ من نومي وقتما أريد. وفجأة انقلب كل شيء بعد أن بدأ “سامي” في ممارسة أعمال غريبة في المنزل”.
عقدت “اقبال” حاجبيها رغم معرفتها ما ستقوله “سها” بعد اطلاعها على ملف القضية: “مثل؟!”
سكتت “سهى” برهة ثم أردفت قائلة: “شعودذة ودجل”.
تظاهرت “اقبال” بماس كهربائي صعقها، حتى تتابع “سهى” رواية حكايتها بارتياح: “غير معقول؟ ألم تقولي أنه يملك محل لرسم التاتو؟!”
أجابت “سهى”: “صحيح.. لكن أقنعه أحد زبائنه باستعمال التاتو في الشعوذة والدجل، حتى يجني مال كثير. حذرته من هذا الأمر. إلا أنه لم يرجع عن طريقه. اشترى كتبا عن السحر واستعمال الرسم في الشعوذة. والأدهى أنه أخذ يطبق ما يقرأه في المنزل. خفت كثيرا على نفسي وابني “عمر” الذي كان حينها رضيعا في شهره الثاني. تحملت هذا كله من أجل ابني. إلا أن تأثره بكتب السحر والمال الوفير الذي عرف طريقه الى يديه من الشعوذة حوله الى انسان عنيف. بدأ يضربني يوميا. لا يتحدث معي الا بكلمات مهينة. وفي النهاية طلبت الطلاق. لا أريد أن ينشا ابني في هذا الجو المخيف. لا أريد لـ “عمر” أن يأكل من مال مشبوه! لا أريد ثروة من الدجل والشعوذة والتاتو”.
في اليوم التالي جلس “سامي” على كرسي “سهى” في غرفة اصلاح ذات البين. رجل ثلاثيني وسيم. ارتشف قهوته على مهل مبتلعا معها عصبيته واضطرابه. قال: “استاذة اقبال.. أنا لا أريد الانفصال عن زوجتي. لا تصدقيها.. أنا لا أعمل في السحر والشعوذة”.
ردت “اقبال”: “قدمت لنا زوجتك أدلة من مكتبك على استعمالك التاتو في أعمال الدجل. أثبت لها حبك بالبحث عن عمل آخر”.
خرج “سامي” من مكتب اقبال غاضبا أكثر من ذي قبل. تلاشى بين جموع الرجال والنساء والأطفال الذين تغص بهم الطبقة الأولى من المحكمة الشرعية. أخذ يفكر في ابنه “عمر” الذي سيعيش بعيدا عنه حين وقوع الطلاق. لكن إذا خضع لطلبات زوجته: ماذا سيعمل؟ أي وظيفة ستعطيه ذلك المال الوفير الذي يدخل الى جيبه؟
زفر “سامي” حائرا: “آخ من النسوان”!
اجتمع الزوجين بعد أسبوع في مكتب لجنة اصلاح ذات البين بحضور “اقبال”. كانا أكثر هدوءا من ذي قبل، وكأن العاصفة قد مرت. قال “سامي”: “اريد أن تهتم زوجتي بنظافة البيت، وأن لا تهمل ابننا “عمر”، وأن لا تشتمني أبدا”.
وجهت “سهى” كلامها الى “اقبال”قائلة: “سأقبل العودة الى المنزل إذا وعدني بالتوقف عن القراءة في كتب السحر والعمل في التاتو”.
نظرت “اقبال” برضا الى الزوجين قائلة: “إذن.. مبروك الصلح”.
بعد أن خرج “سهى” و”سامي” من مكتب “اقبال” كتبت تقريرها، الذي ينتظره القاضي ليعرف ما آلت إليه قضيتهما، فدونت فيه: “تم الاتفاق بين الزوجين. ويجب متابعتهما، لأن حياتهما العائلية تستند على عكاز، بسبب شكنا في امتناع الزوج عن عمله في السحر والتاتو!”