أسماء وهبة

فجر الأثنين 2 آذار 2026

انها الواحدة بعد منتصف الليل. تشتعل كل الشاشات بأخبار الحرب الأسرائيلية – الأميركية على ايران. انفجر البركان. دخلنا في المجهول. تقصف اسرائيل وواشنطن معظم المدن الايرانية. قتلوا المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية الايرانية السيد علي خامنئي، ووزير الدفاع، وقائد الحرس الثوري الايراني، وغيرهم من المسؤولين البارزين، أما نحن فعيننا في لبنان على حزب الله، الذي أكد لرئيس مجلس النواب نبيه بري، بأنه لن يتدخل لاسناد ايران، أو يورط اللبنانيون في حرب جديدة، قد تؤدي الى ” بهدلة” أهل الضاحية والجنوب والبقاع، أو تدمر الاقتصاد الوطني المهترىء أصلا!

ا يثق اللبنانيون في حزب الله. “مش أول مرة يغدر فيهن ويورطن بحروب ما خصنا فيها”، مع ذلك تأملنا خيرا، أنه “راح يقعد عاقل هالمرة”، بعد أن خرج مهزوما من حرب الاسناد، والمواجهة القاصمة مع اسرائيل في عام 2024.

نتابع أخبار قصف ايران للقواعد والمصالح الأميركية في الخليج العربي. ضربت ايران دول مثل الكويت، قطر، الامارات، السعودية، وبالطبع اسرائيل، أما نحن في لبنان نطالع بقلق الشريط الأخباري، الذي قد يظهر فجأة معلنا تنفيذ حزب الله عملية ضد اسرائيل، معلنا دخوله الحرب اسنادا لايران، وللأسف هذا ما حدث!

انها الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. قرأت خبرا على مجموعة الصحفين في واتس آب، مفاده أن حزب الله ألقى 6 صواريخ على شمال اسرائيل. جحظت عيناي. ماذا يجري؟! “لا!! أكيد مش الحزب!” لقد تعلم الدرس ن بعد حرب الاسناد، “اللي ما سند فيها حدا ولا حتى حاله!” لكن أكدت القناة 14 الاسرائيلية الخبر، ويتفحص جيش الدفاع الاسرائيلي اذا كان مصدر الصواريخ لبنان أم لا!

كنت جالسة في سريري. أنتظر موعد السحور. أتابع مسلسلي الكوري الكوميدي “عالمنا”. ارتجف جسدي. تسارعت دقات قلبي. أنا خائفة للغاية. تجمد الدم في عروقي. “ما بدي أترك بيتي وأتبهدل مرة أخرى”. لم تمر سوى بضعة أشهر على عودتنا الى المنزل، بعد نزوح استمر 73 يوما خلال حرب 2024، مضافا الى أن معظم اللبنانيون جيوبهم فارغة مقفرة. قضمت حرب 2024 ما معهم من “كاش”، في البيوت المستأجرة، وكلفة النزوح الكبيرة. بمعنى أوضح: “ما في مصاري مع حدا ليطلع من بيته!”

اختفى تركيزي، ابان متابعتي خبر اطلاق حزب الله صواريخ ومسيرات على شمال اسرائيل، التي سقطت في مساحات واسعة غير مأهولة. أي لم تصب اسرائيل بخدشة واحدة، لكن اسرائيل انتهزت الحادثة لتأديب اللبنانيين، والدولة اللبنانية، وأصدرت بيانا قالت فيه أن الرد على عملية حزب الله سيكون “قاصما”.

حاولت اقناع نفسي أن الرد الاسرائيلي سينحصر في الجنوب أو البقاع. لن يخرج عن تلك المساحة الجغرافية. وضعت الغطاء على رأسي. أطفأت ضوء غرفتي. أسمع أصوات صحون السحور في بيوت جيراني، الذين تناولوه بلقمات مغمسة بالرعب، أثناء متابعة تلك الأخبار اللعينة.

ظننا أن اسرائيل ربما من ألقى تلك الصواريخ، لتعطي نفسها ذريعة ضرب لبنان، أو مجموعة متفلتة قامت بذلك. لم نصدق أن حزب الله قد يقدم على ايذاء اللبنانيين، ويتسبب في اخراجهم من بيوتهم في شهر رمضان، وهو يعي جيدا أننا جميعا مفلسون! ظننا أنه تعلم من تجربة حرب الاسناد المريرة، ونتائجها الكارثية، التي أعادت لبنان الى مساحة الاحتلال الاسرائيلي، بقضم أراض في الجنوب، ومنع أصحابها من العودة اليها. ظننا أنه تقبل ادارة الدولة اللبنانية شؤون البلاد. هي وحدها القادرة على ذلك تحت سقف القانون. هي الساعية الى اخراج لبنان من المستنقع الذي دفعنا اليه حزب الله. لم نتخيل أنه سيغدر بنا، ويدخلنا في حرب جديدة، “ما خصنا فيها”، انتقاما لقتل المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية الايرانية علي خامنئي، كما قال في بيانه الصحفي، متبنيا اطلاق الصواريخ على اسرائيل، وعزز البيان بإضفاء مسحة لبنانية عليه بالقول أنهم صبروا 15 شهرا على الانتهاكات الاسرائيلية، وقرروا المواجهة، لكننا على يقين بأنه أشعل الحرب على الجبهة اللبنانية لأجل ايران.

نهضت من سريري. وضعت الكمبيوتر في الحقيبة مع جواز السفر وأوراقي الثبوتية، وبنطلون جينز، والى جانبهما جاكيت جوخ، ومحفظتي، مع قليل من المال هو كل ما لدي. “حضرت حالي للهريبة”. كلي أمل أن لا تتكرر مأساة نزوحنا.

اذن قرر حزب الله مواجهة اسرائيل، وليذهب اللبنانيون الى الجحيم، وبالطبع لم يتأخر الرد الاسرائيلي. جاء مخيفا في ضاحية بيروت الجنوبية عند الثانية فجرا. مر الصاروخ من فوق رأسي. لا يشبه صوت سقوطه أي شيء آخر. يبدأ كصفير يشق السماء. يتبعه انفجار هائل. هز الأرض تحت قدمي. ارتطم بجدران المنزل. صعد من الأساسات الى السقف كزلزال خاطف. ارتجفت النوافذ. تردد صداه في الغرف كوحش خرج من باطن الأرض. تبعه صمت ثقيل. “ما فهمت شو صار! قصفتنا اسرائيل. قفزت من سرير. وقفت وسط غرفتي. سقط صاروخ آخر ثم ثالث ثم رابع. قتل بلا أنذار!”

ركضت نحو غرفة أمي وأختي بلقيس. باب غرفة أختي علياء مفتوح. سمعت القصف أيضا. أمي نائمة من كثرة الأدوية. توقظها أختي بلقيس. يا الهي! تتكرر مأساة هروبنا عند الفجر كما حدث قبل عام ونصف. نظرت اليهما بعينين ملؤهما الرهبة قائلة: “يلا بدنا نمشي. اسرائيل عم تضرب”. لم أكمل عبارتي. سقطت صاعقة صوتية أخرى. دمرت قذيفة مبنى جوار منزلنا. صرخت في أختي علياء: “أنت بتروحي معي وماما مع بلقيس”.

سبقتها الى الأسفل لتجهيز السيارة. كان جيراني يركضون على الأدراج أيضا. يجرون حقائب معدة مسبقا. يبدو أنهم تجهزوا لما فعله حزب الله مع بدء المواجهة الايرانية الاميركية الاسرائيلية. ركضت الى موقف السيارات. وجدت جارتي العروس. تحمل طفلها حديث الولادة . وجلة أكثر من طفلها الذي يبكي بين ذراعيها. وضعت حقيبتي الصغيرة في السيارة. جلست في انتظار أختي علياء. اتصلت بها صارخة: “يلا”.

السماء عامرة بالقذائف. صوتها مريع. تشعر بأن قلبك يخفق أعلى من الضجيج نفسه. سقط صاروخ خامس أو سادس. “بطلت قادرة عد من كثر الصواريخ”. لمحت جاري يجر حقائب مع زوجته. انطلقا في سيارتهما بسرعة البرق. خرجت من موقف السيارة في انتظار أختي عند المدخل. رأيت زوجة الناطور تحمل ابنها عبودي الذي كنا نلاعبه في منزلنا قبل ساعات من انشقاق باب جهنم. الفتاة مذعورة. لا تعرف شيئا عن لبنان. “أغراب وما عندن حدا”. سمعت زوجها يتصل بصديقه السوداني. يخبره أنهم قادمون الى منزله في الحمرا. وضع ابنه وزوجته على الدراجة النارية. انطلقوا قبل أن تسقط شظايا الصواريخ أو حجارة متناثرة من مبنى هدم على رأسهما أو رأس عبودي.

نزلت أختي علياء لاهثة. منقطعة الأنفاس. جلست في المقعد الخلفي قائلة: “ماما وبلقيس نازلين وراي”. انطلقت كجمرة نار. أسابق الهواء والريح والصواريخ للخروج من الضاحية.

سألتني علياء: “لوين حنروح؟!”

أجبت: “ما بعرف! نطلع من الضاحية ونشوف!”

تخيل أن تخرج من منزلك. رغما عنك في جنح الليل بملابس نوم. “نسيت خبركن أني نزلت من بيتي بالبيجاما والمشاية الفرو. الحمد الله كنت لابسة جوارب. الدني سقعة. ارتديت الجاكيت الجوخ. كل اللي شفتن بالشارع كانوا مثلي! قفزوا من أسرتهم. هربوا من الموت بالبيجامات”.

كان الطريق عند مخارج ضاحية بيروت الجنوبية يعج بالهاربين مثلنا. سيارات ودراجات نارية. تقصد وسط العاصمة بيروت. نعيد الكرة نفسها قبل 15 شهرا كأن الكوكب قد قرر الهرب في نفس اللحظة! فكرت: “وين بدنا نروح؟!” لا مكان نذهب اليه! انها الثانية والربع بعد منتصف الليل. أمي كبيرة في السن. وضعها الصحي دقيق. لا تتحمل الجلوس في السيارة أو البقاء في الشارع وسط البرد. يا الهي! أشعر ببرد شديد. ساقاي تصتكان ببعضهما. تسري سقعة في قدمي. يجب أن أنجو بأختي ونفسي. النفق نحو وسط بيروت مزدحم بالسيارات التي لا تتحرك من مكانها. لا خيار أمامي سوى الذهاب في اتجاه نفق الطيونة. “ربما قصفته اسرائيل وهبط فوق راسنا!” أريد البقاء تحت السماء المفتوحة. انحرفت نحو النفق. طلبت من علياء الاتصال بأختي بلقيس لتخبرها عن وجهتنا: “حنروح الأوتيل”. انه المكان الذي أقنا فيه خلال حرب 2024 أكثر من شهرين. ربما نجد غرفة تأوينا في هذه الليلة، ثم نفكر فيما سنفعل، وأي قد نذهب، وما ستؤول اليه الأمور، والأهم توفير مكان كي تبقى فيه أمي.

“كتير زحمة النفق كأنه يوم الحشر. سيارات فوق بعض. كل سيارة فيها أكثر من طاقتها الاستيعابية بالناس والعفش والحقائب. توجست: ربما قصفت اسرائيل أحد العمائر المتاخمة للنفق فتسقط حجارتها فوق رؤوسنا! دعوت يا رب نجينا. سيارات عم تطلع فوق الرصيف. سيارات عم تزورب شمال ويمين بين بحر من سيارات تمسمرت في مكانها وما عم تتحرك. مرت ساعة. مازلنا في مكاننا. التفت على يساري. لقيت جحافل من الناس واقفين على أسوار الحديقة العامة. لا مكان يذهبون اليه. قعدوا على الرصيف بالعتمة مع حقائب صغيرة وأطفالهم اللي أجبروهم على الاستيقاظ عند الفجر. ضاق خلقي لكن الصبر حتى أصل الى دوار الطيونة”.

فتح الطريق أمامي. لا أحد سوى نازحون. يمشون على أٌقدامهم. يحملون أكياس فيها القليل من الملابس. يهيمون على وجوههم. لا وجهة محددة. يمشون فقط. ربما يفكرون: “وين بدنا نروح بهالليل والدني رمضان وبكرة صيام والصواريخ عم تشتي فوق راسنا؟!”

انها المأساة في أبشع صورها..

وصلنا أنا وعلياء الى الفندق. مازالت أمي وأختي عالقتين في النفق. قررت تأمين غرفة قبل أن يزدحم الفندق بالنازحين مثلنا. اتصلت بمديرته جنى. أجابت فورا. سألتها: “جنى بدي أوضة”.

أجابت: “فيه غرفة وحزبطلك الليلة بـ 150 دولار”.

وافقت فورا مع أن كل ما كان في جيبي هو 300 دولار. لن تبقى أمي في الشارع. طمأنتها بأننا وجدنا غرفة في الفندق ونحن في انتظارها.

دخلت الفندق. لا مكان لموضع قدم. يغص بالنازحين وعائلات مثلنا تركوا منازلهم في ملابس النوم. مستعدون لدفع أي مبلغ كي لا يبتوا في العراء. يتكوم كل أربع أو خمس أو ست أشخاص في غرفة. لا تتعدى مساحتها 40 مترا. “كل هودي الناس كانوا قبل ساعتين نايمين امنين على أسرتهم، أو عم يتسحروا في منازلهم، وهلق صفوا بالشارع، بلا أي شيء، الا ملابس النوم اللي عليهم”.

وقفت في صف الانتظار الطويل عند الاستقبال. صعدنا الى الغرفة. رميت حقيبتي الصغيرة على الأريكة. أنام عليها. ستنام علياء على الكرسي. تركنا السرير لأمي وأختي بلقيس اللتان وصلتا الى الفندق عند الرابعة فجرا. اجتازتا النفق ساعة ونصف. نمنا بما علينا من ملابس دون أغطية. “كان الطقس كتير بارد. ربما أكثر من اللازم. ممكن حسينا هيك من رعب الصواريخ ومذلة الخروج من بيتنا وتوتر الهرب الى منطقة آمنة وقلق ايجاد مكانا للمبيت فيه”.

لم يغمض لأي منا جفن في تلك الليلة. أغلقت عيناي وأنا أفكر فيما سنفعل وأين سنذهب وقلبي يرتجف من أن القادم أقسى!

© All Rights Reserved. Designed by I.T.S