أسماء وهبة

أنا ياسين. أعيش في مدينة بيروت مع أبي وأمي وأخي محمود. نحن عائلة تحب كرة القدم. نتابع كل المباريات في أوروبا وآسيا وامريكا اللاتينية. الا أن اللقاءات الرياضية التي تجمع فريق ريال مدريد بفريق برشلونة لها طعم آخر. ننتظرها بفارغ الصبر، أما أنا فأكون على موعد مع نجم فريق برشلونة ليونيل ميسي. هو ساحر كرة القدم. أحبه كثيرا، حتى أنني علقت صورة كبيرة له على حائط غرفة نومي، وطلبت من أمي أن تشتري لي في عيد ميلادي الفائت قميص ميسي رقم 10 الملون بالأحمر والازرق.

أركز جيدا خلال مباريات ميسي على حركاته داخل الملعب، وركلاته وتمريراته، فأطبقها لاحقا بحذافيرها خلال تمريناتي اليومية مع فريق مدرستي الرياضي.

فاز ميسي وفريقه برشلونة الليلة بكأس بطولة دوري أبطال أوروبا. صفقت فرحا أمام التلفزيون، فقالت لي أمي: “ياسين.. يكفي صراخا.. انتهت المباراة.. يجب أن تنام.. نظف أسنانك بالفرشاة والمعجون، ثم اخلع قميص ميسي، وارتدي ملابس النوم”.

هززت رأسي مطيعا توجيهات أمي. ذهبت الى غرفتي استعدادا للنوم، لكن غلبني النعاس قبل أن أخلع قميص ميسي.

اخذتني أحلامي الى مدينة برشلونة في دولة أسبانيا، حتى وجدت نفسي جالسا على مدرجات ملعب نادي برشلونة، متابعا تدريبات لاعبيه، ثم رأيت ساحر كرة القدم يركض بين زملاءه، فقفزت سعيدا: “ها هو ميسي.. ها هو ميسي”.

ركضت بسرعة نحو الملعب. تسللت بين اللاعبين، حتى وصلت الى ميسي، الذي نظر اليّ قائلا: “من أنت يا صغيري؟!”

أجبت بخجل: “أنا ياسين.. من لبنان.. عمري عشر سنوات.. وأحبك كثيرا”.

ضحك ميسي: “أنا أيضا أحب الأطفال الذين يعّرفون عن أنفسهم جيدا كما فعلت الآن. هذا دليل على ثقتك بنفسك. لكن أخبرني ماذا تفعل هنا؟!”

قلت: “أريد أن تعلمني كيف أصبح لاعب كرة قدم مشهور مثلك”.

قال ميسي: “لك هذا.. ستبقى معي اليوم، حتى تتعلم كيف تكون انسانا ناجحا، لأن الشهرة ليست كل شيء”.

أمسك ميسي بيدي، وذهبنا الى الجانب الايمن من الملعب، ثم أعطاني كرة القدم قائلا: “ستتعلم الآن كيف تحدد هدفك قبل ركل الكرة الى المرمى. انظر الى الجهة التي يقف فيها حارس المرمى، ثم اركل الكرة في الاتجاه المعاكس. لكن عليك أن لا ترفع ساقك عاليا، حتى لا تصطدم الكرة بعارضة المرمى. أي أن الخطوة الاولى التي يجب أن يتبعها أي لاعب هي التركيز ثم تحديد الهدف. والآن عليك أن تطبق ما قلته لك”.

سألت: “كيف سألعب وأسدد الكرة؟! لا يوجد حارس مرمى!”

أجاب ميسي: “سنطلب من حارس مرمى فريق برشلونة أورتولا أن يساعدنا”.

وقف أورتولا في وسط المرمى، فأخذت أسدد الكرات واحدة تلو الأخرى بفرح، حتى سمعت تصفيق ميسي قائلا: “أنت ولد ذكي يا ياسين”.

قلت: “أريد أن أشرب.. أشعر بالعطش بعد اللعب”.

ضحك ميسي: “نحن لم نلعب بعد، ولم نركض في الملعب حتى الآن! لا يجب أن تشرب الكثير من الماء أثناء لعب كرة القدم أو خلال ممارسة الرياضة، حتى لا تشعر بالعطش أكثر. يجب أن تتعلم الصبر”.

أخذ ميسي يركض في الملعب. الكرة رشيقة بين قدميه. ركضت خلفه، وأنا أتابعه بدقة، حتى أشار اليّ بالاقتراب منه، ثم مرر لي الكرة، فمددت ساقي حتى أتلقاها، وتابعت الركض، فقال ميسي: “عليك أن تكون ذكيا حين تمرر الكرة الى زملاءك. يجب أن تختار الاقرب منهم اليك، وأن لا تستحوذ على الكرة من أجل تسجيل الهدف. ليس مهما من يسجل الأهداف، بل المهم أن يفوز فريقك. لا توجد أنانية في لعبة كرة القدم. هي لعبة جماعية”.

واصلنا اللعب حتى انتصف النهار، فجلسنا ميسي وأنا على أرض الملعب الخضراء، لأخذ قسط من الراحة، فانتهزت الفرصة لالتقاط صورة “سيلفي” معه، التي سارعت الى نشرها على صفحتي في “الفايسبوك”.

قلت له ضاحكا: “سيتشعل الفايسبوك بالتعليقات، وستحظى هذه الصورة بعدد كبير من اللايكات. لن يصدق أصدقائي في المدرسة أنني التقيت ميسي، ولعبت معه، وتحدثنا سويا!”

ضحك ميسي أيضا: “لم أصدق أيضا أنني في يوم من الأيام سأكون من أشهر لاعبي كرة القدم في العالم. أنا ابن عائلة أرجينتينية فقيرة. أبي موظف في مصنع، وأمي عاملة نظافة. أصبت في صغري بمرض نقص هرمون النمو، الذي كاد أن يقضي على مستقبلي الرياضي، لكني انتصرت عليه بقوة الارادة. ومن بعدها سافرت من الارجنتين الى اسبانيا لتحقيق حلمي الرياضي، حتى أصبحت الآن لاعب فريق برشلونة الاساسي وكابتن فريق وطني الارجنتين ليونيل ميسي. لذا لا تتنازل عن أحلامك أبدا يا ياسين”.

اسمع صوت أمي يأتي من المطبخ: “ياسين.. ياسين.. ستتأخر على المدرسة”.

فتحت عيناي. نظرت حولي في الغرفة. كان شقيقي محمود يرتدي ملابس المدرسة. انها السادسة صباحا. نظرت الى نفسي، فاكتشفت أنني غفوت بقميص ميسي. ابتسمت في سريري سعيدا. كان حلما رائعا، والأجمل لقائي بساحر كرة القدم ميسي.

نعم.. انها الأحلام التي نستطيع أن نحولها بأيدينا الى حقيقة جميلة.

© All Rights Reserved. Designed by I.T.S