
أسماء وهبة
مر عام على تشييع أمين عام حزب الله السابق السيد حسن نصر الله. حدث خلاله الكثير. تغيرت المنطقة بالكامل. كان الرجل قويا للغاية، وكما قال خصمه رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو: “حسن نصر الله قائد عظيم”.
من هنا سنقرأ الخريطة الاقليمية واللبنانية بعد عام من استشهاد السيد حسن نصر الله:
قال نتيناهو أن “حسن نصر الله كان المحور”! في اشارة الى “محور المقاومة”، الذي يضم لبنان، غزة، اليمن، سوريا، والعراق، بقيادة ايران، الذي ما لبث أن تهاوى مع غياب حسن نصر الله، وضعف نفوذ حزب الله الى حد التلاشي في الاقليم.
ان تشييع حسن نصر الله هو تشييع لمحور المقاومة وانهاء لمرحلة امتدت من عام 2005 حتى 2024. كان ذلك المحور المتحكم في المنطقة، حتى تباهت ايران بسيطرتها خمس عواصم عربية: بيروت، دمشق، بغداد، غزة، وصنعاء.
كان النفوذ الايراني كبيرا، بفعل أذرعتها في الاقليم: حزب الله في لبنان، الحشد الشعبي في العراق، حركة حماس في غزة، والحوثيين في اليمن، لكن في الحقيقة كان حسن نصر الله هو عامل القوة بين كل تلك الأطراف، من خلال شخصيته القادرة على مخاطبة الخصم قبل الحليف، وتجييش الجماهير، وقراءة المشهد السياسي بعمق، وتطويع الخصوم، من خلال كاريزما فريدة، جامعة بين الدين والسياسة، بالإضافة الى قدرته على متابعة الأمور العسكرية، واتخاذ القرارات الاستراتيجية، وقيادة عناصره في لبنان وخارجه في المعارك.
استفادت ايران من هذه الشخصية الكاريزمية لبناء محور قوي، الذي حقق صعودا كبيرا بعد هزيمة اسرائيل في لبنان عام 2006، ثم اطباق حزب الله على السلطة في بيروت، ما خوله لاحقا القتال في سوريا، الى جانب الفصائل الايرانية، لدعم استمرار نظام بشار الأسد، لكن مالبثت عناصر حزب الله أن هربت من سوريا، قبل 24 ساعة من سقوط النظام، عائدة الى لبنان عام 2024، لأن السلطة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع معادية لطهران وبالتالي حزب الله، ما أعلن نهاية الحقبة الايرانية في سوريا.
كان حسن نصر الله الوجه الأبرز لمحور المقاومة خلال تلك المرحلة، ومع غيابه فقد حزب الله ومن وراءه ايران نفوذهما في سوريا. هنا تكمن الخسارة الحقيقية لحزب الله. خسر خط امداده المالي والعسكري واللوجستي. كان قادرا من خلال سوريا تحريك عالمه الاقتصادي الموازي بحرية، أما الآن ومع وجود حكومة الشرع في سوريا، والضغوط الأمريكية عبر المؤسسات اللبنانية، بات في ورطة مالية وعسكرية حقيقية.
انتهت الحرب في غزة بعد عام من تشييع السيد حسن نصر الله، بتوقيع اتفاق هدنة، بدعم مصري قطري تركي أميركي مشترك، الذي أقرت فيه حركة حماس بتسليم سلاحها، وعدم المشاركة في العملية السياسية، من ثم شكل مجلس السلام برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي سيحكم غزة فعليا، دون أي دور للسلطة الفسلطينية، كما سيتم اعادة أعمار غزة وفق الرؤية الاستثمارية الامريكية، مع الحفاظ على أمن اسرائيل، من خلال انشاء قوة عسكرية دولية بقيادة واشنطن، ما يعني اطباق السيطرة الأمريكية الاسرائيلية الأمنية الكاملة على القطاع.
اذن من بعد هزيمة حزب الله في لبنان، وغياب قيادته وفي مقدمتهم السيد حسن نصر الله، واجباره على مغادرة سوريا. خسرت ايران غزة. انتهى دور حركة حماس، ليبقى لها نفوذ في العراق من خلال الحشد الشعبي، أما الحوثيين فهم بحكم البعد الجغرافي غير قادرون على التأثير في مجريات الأمور.
تواجه ايران بعد عام على تشييع السيد حسن نصر الله أكبر ضغط أميركي في تاريخها، لانهاء برنامجها النووي، وتسليم صواريخها البالستية، فما يحدث هو تركيع ايران، ودفعها الى اعلان الاستسلام كما قال المبعوث الامريكي ستيف وتيكيف، وما كان ذلك ليحدث في وجود حسن نصر الله، الذي كان قادرا على ابقاء المحور متماسكا.
شنت حرب اسرائيلية – أمريكية على ايران. قتلت قياداتها العسكرية. ضربت مفاعلاتها النووية. ها هي اليوم مهددة بضربة ثانية. قد تفضي الى اقتلاع نظام الجمهورية الاسلامية. اذا رفضت الخضوع لواشنطن وتل أبيب.
تراجع نفوذ حزب الله في الداخل اللبناني بشكل كبير بعد عام على تشييع السيد حسن نصر الله. فقد قوته في الحكومة والدوائر الأمنيةو البرلمان. تخلى عنه الحلفاء. يعاني من ضائقة مالية هي الأصعب في تاريخه. عجز عن الوفاء بوعود اعادة الاعمار ووقف الاعتداءات الاسرائيلية اليومية على الجنوب. فقد حزب الله كل شيء برحيل حسن نصر الله. فقد محور المقاومة هيبته وقوته بغياب حسن نصر الله. لم يبقى سوى الحصن الأخير في طهران الذي يواجه بشراسة محاولة اسقاطه.