
د.فاتن عبد الرحيم طريف
المستشارة الأسرية والمختصة النفسية الصيدلانية
في كل عام، ومع أول أذان مغرب في شهر رمضان، نشعر أن بيوتنا ترتدي روحًا مختلفة. هدوء يسبق الأذان. دعوات هامسة. قلوب تنتظر لحظة اللقاء. تجتمع الأسرة حول مائدة واحدة. لا يجمعها الطعام فقط، بل الصبر، والامتنان، والشعور المشترك بنعمة الله.
رمضان ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو فرصة لإعادة ترتيب العلاقات، ومراجعة أسلوبنا في الحديث، وطريقة تعبيرنا عن الحب داخل بيوتنا. يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21)
لا تبنى هذه المودة بالمصادفة، بل تُصنع في التفاصيل الصغيرة؛ في ابتسامة، في كلمة شكر، في نبرة هادئة عند التعب.
أقول دائمًا: مائدة الإفطار ليست منصة نقد، بل مساحة تقدير. من اشترى؟ من أعدّ الطعام؟ من ساعد؟ من دعا قبل الأذان؟ كلهم شركاء في الأجر. كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يعيب طعامًا قط؛ إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه. كم من مشاعر نحفظها حين نختار اللطف بدل الانتقاد، ومن أجمل ما يمكن أن نحرص عليه أن يسود الطاولة هدوءٌ حقيقي، وأن يتبادل الجميع الابتسامة، فالابتسامة أمانٌ نفسي، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «تبسُّمك في وجه أخيك صدقة».
من منظور علم النفس الأسري، تعزز الوجبات المشتركة في أجواء هادئة شعور الانتماء، وترفع مستوى الطمأنينة، وتقلل من التوتر والضغوط اليومية، خاصة لدى الأبناء. لا يتذكر الأطفال شكل الطعام بقدر ما يتذكرون شعورهم على الطاولة، وقد مدح الله تعالى الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس فقال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 134)
فليكن بيتنا أول مكان نطبق فيه هذا الخلق. لنحوّل رمضان إلى موسم دعم متبادل. نتعاهد على كلمة طيبة، وعلى شكر صادق، وعلى أن نكون فريقًا واحدًا مهما اختلفنا، فجمال المائدة ليس في تنوع أطباقها، بل في سكينة من يجلس حولها، وفي قلوبٍ تعرف كيف تعفو، وكيف تشكر، وكيف تحب.
رمضان فرصة ذهبية لنُعيد الدفء إلى بيوتنا، ولنزرع في أبنائنا ذكريات مطمئنة/ تبقى معهم عمرًا طويلًا.
مع خالص الدعاء ببيوت عامرة بالمودة والسكينة…