![]()
شكلت واقعة تحرش الباص في القاهرة التي تعرضت لها شابة مصرية محط اهتمام كبير في مصر والعالم العربي. لم تكن واقعة التحرش هي النقطة الأساس في المشكلة. رغم بذاءتها ودناءتها، لكن ما توقف عنده الجميع هو رد فعل الركاب، أو بمعنى أدق عدم تجاوبهم مع استغاثتها بهم، لكن عندما شكل صوتها العالي مصدر ازعاج، تهجموا عليها لفظيا بالمنطق الذكوري المعتاد: “اسكتي”. “اقعدي يا بت”. “وطي صوتك”.
شعرت بغيط شديد عند سماع تلك التعليقات. جلسوا في مكانهم الى جوار المتحرش، الذي نظر الى كاميرا الفتاة بجرأة، بدلا من ابعاد عينيه عنها، وايجاد طريقة للهرب، بعد فعلته المشينة، لكن هجوم ركاب الباص على الفتاة ثبته في مكانه، بعد أن تلقى دعما معنويا منهم. ابتسم الركاب الرجال للكاميرا في صمت. يتابعون ما يحدث كأنهم أمام فيلم! يخفف عنهم مشقة الطريق الطويل، حتى صرخ في وجهها رجل خمسيني، في يده مسبحة، آمرا بأن تسكت! تخيلوا ذلك! فتاة طعنت في عرضها في مكان عام، وبدلا من مساعدتها، طلب منها السكوت!
انه التضامن الذكوري الكامل مع المتحرش!
شاهدت قبل يومين فيديو على “تيك توك”. يظهر شاب يتحرش بفتاة في الشارع في تركيا. كان مشهدا بشعا. لم يكتف بذلك. حاول اغتصابها. ركض الناس عند سماع صراخها. سحبوها من تحته. تحلقوا حوله. شتم وضرب بعد انقاذ الفتاة ثم سلموه الى الشرطة.
هذا هو التصرف الطبيعي عندما نسمع صراخ انسان يطلب المساعدة، لكن ما حدث في باص النقل العام في القاهرة هو تصفيق للمتحرش، حتى أنه شعر بالزهو والحماية، فهجم على الفتاة محاولا ضربها قائلا بثقة: “ايه اللي أنت لابساه”!
اذن يحق له التحرش بها عند ارتداءها الجينز، مع ملاحظة أن كثير من المحجبات يتعرضن للتحرش، ما يعني أن القضية ليست في الملابس، بل في قلة اخلاق المتحرشين، لكن حتى تعريها لا يسمح له بلمسها. رغما عنها!
انه منطق الاستقواء على النساء و”نطاعة” الرجال السائد ليس في مصر فقط لكن حتى في لبنان!
سألت الذكاء الاصطناعي عن معنى “الرجولة”؟!
أجاب: “الأخلاق، المروءة، الشهامة، واحترام المرأة”.
ما نراه الآن عند كثير من “الذكور” غياب الرجولة، والشهامة، وتسيد قلة الأخلاق، التي تسمح له بضرب امرأة، وشتم امرأة، والتحرش بامرأة، واغتصاب امرأة، لأنه يضمن 100% مساندة المجتمع، وافلاته من العقاب، على قاعدة أن المرأة أرخص ما في المجتمع! لا قانون يحميها. لا رجال يساندونها. لا مجتمع يحتضنها. أتذكر هنا ما قاله لي زميل “رجل” في النادي الرياضي حيث أتمرن: “ايه عادي أنا بضرب بنت!”