أسماء وهبة
تابعت من حديقة منزلي في قريتي “كفر حمام” على الشريط الحدودي مع فلسطين المحتلة ليلة سقوط تلة “علي الطاهر، في يد العدو الاسرائيلي، بعد أن عشنا شهرا كاملا من القصف القاسي، صباحا، ظهرا، ومساء. تلك التلة التي مررت بالقرب منها كثيرا على طريق “الخردلي” عائدة الى “بيروت” أو قادمة منها. تلة شامخة، مغطى بأحراش كثيفة، وممتدة على مساحة شاسعة، بحجم قرية، ضاربة في عمق الجنوب اللبناني، ومعانقة مدن “النبطية” و”العرقوب” و”حاصبيا”.
تهتز أرض “كفر حمام”، وترعد سماءها، مع كل صاروخ اسرائيلي، يضرب تلة “علي الطاهر”، التي اختبأ أسفلها عناصر جماعة “حزب الله” والحرس الثوري الايراني، وهدف العمليات الاسرائيلية تدمير مركز “حزب الله” الأكبر في الجنوب اللبناني!
أطالع ساعتي كل مساء عند الساعة الثامنة والنصف. لا تخطأ اسرائيل موعد بدأ القصف. تدك تلة “علي الطاهر”، من ساعات الليل الأولى حتى صباح اليوم التالي، بالصواريخ، والقذائف، مع تحليق كثيف للمسيرات، والطيران الحربي، الذي يهدر فوق رؤوسنا، محذرا للنجاة بما بقي من أرواحنا، الهاربة من أهوال الحرب، قبل أن يدك منازلنا فوق رؤوسنا.
تتسارع دقات قلبي عند سماع أزيز الطائرات الحربية، التي تتقصد التحليق على علو منخفض، في سماءنا، قبل أن تهدر صواريخها محطمة مركزا ما في تلة “علي الطاهر”، وحينها يهتز منزلنا، بنوافذه، وأبوابه، وأرضيته، كأنه سيتفسخ من تحت أقدامنا، مع أن الغارات وقعت بعيدا عن “كفر حمام”.
يشحب وجهي عند سماع القصف. أتذكر الغارات المرعبة على ضاحية بيروت الجنوبية. أذكر نفسي بأننا في أمان. هنا في “كفر حمام”، حيث لا وجود لعناصر “حزب الله”، ما يعني أننا في مأمن حتى الساعة من أي عدوان اسرائيلي، ومع ذلك أنا خائفة!
“اسرائيل مجرمة وما الها أمان”.
رأيت من شرفة حديقتي في “كفر حمام” النيران المشتعلة في تلة “علي الطاهر”، قبل أن تغرق في العتمة، بعدما أحرق صاروخ اسرائيلي بعضا من أحراشها، وهشم صخورها، ومن ثم سمعت دويه العنيف، كأنه سيطفأ نور أذني، بالتوازي مع تمشيط في سهل “الخيام” بالأسلحة الرشاشة، التي تساقط فوارغها في شرفات منازل بلدة “ابل السقي” المتاخمة لبلدة “الخيام”، وبدلا من أن تقتلك رصاصة اسرائيلية، باحثة عن عنصر من “حزب الله”، يقتلك الرعب من انفجار زجاج منزلك في وجهك، جراء بقايا الرصاص الاسرائيلي المتطاير في “الخيام”!
مرت علينا في “كفر حمام” ليال ثقيلة، محمومة بالنار، النازلة من السماء، حتى تنفجر في تلة “علي الطاهر”. ترافقها أصوات قصف مرعب. نومنا متقطع. “نوعى مفزوعين” عند وقوع الغارة، حتى أنني تدثرت في ليلة حارة بـ “لحاف” ثقيل، تحسبا لتناثر زجاج نافذتي على جسمي، جراء القصف الاسرائيلي على تلة “علي الطاهر”. نقفز من أسرتنا عند الثالثة فجرا، لاغلاق باب منزلنا، الذي فتح على مصراعيه، جراء الارتطام القوي، الذي يحدثه سقوط الصواريخ المتتالية، ابان الغارات الاسرائيلية على تلة “علي الطاهر”، ثم فجأة أعلنت اسرائيل سقوط تلك التلة الشهيرة، ودخول قواتها الى حصن “حزب الله” المنيع، ثم تقرر تفجير أنفاق “علي الطاهر”، التي تمتد مسافة ثمانية كيلومترات تحت الأرض!
ماذا يعني تفجير أنفاق ممتدة على تلك المساحة الشاسعة؟!
“حنطير بكفر حمام مع الأنفاق!”
استعد الجميع في جنوب لبنان. ليلة ساخنة أخرى. ستخلف التفجيرات الاسرائيلية زلزال. قد يصل الى أربع درجات على مقياس ريختر.
“أنا ما حسيت بالزلزال بس شفت وسمعت تفجير أنفاق علي الطاهر”!
شعور مخزي بالذل والإهانة، حينما يقدم عدوك على تفجير أرضك، وجبالك أمام عينيك، وأنت عاجز عن مواجهته!
تزلزلت قمم الجبل الأشم. غارات اسرائيلية عنيف. طيران حربي نشط. تحولت صخور “علي الطاهر” إلى شظايا. تطايرت في سماء الجنوب مع بقايا جثث قتلى “حزب الله” العالقة تحت الأرض.
دوّت تفجيرات مروعة. هزت أركان الأنفاق. كان الارتداد عنيفاً. “رجف قلبي”. تذكرت قصف ضاحية بيروت الجنوبية في حربي 2024 و2026! أطبق الكابوس على عقلي مسترجعا شريط الذكريات القاتمة. تساءلت: هل ستقصم الغارات الاسرائيلية تلة “علي الطاهر” نصفين أم سيخر حجارة وترابا؟!
غارة تلو غارة. تفجير يليه تفجير. عرض مستمر. لا يتوقف! “اسرائيل ما بتتعب”!
أعادني تفجير “علي الطاهر” إلى ذكريات أيام سوداء. حفرت رعبها في تفاصيلي. صنعت منا كائنات تترقب الموت مع كل شهيق! ها هو المشهد أراقبه من شرفة حديقتي بكل انكسار. أعي جيدا أني نجوت في ذلك اليوم، فالقصف بعيد جدا عن “كفر حمام”، لكن كيف تنجو روحي من “كسرة خاطر” الوطن، الذي تحول جنوبه الى أرض محروقة يدوسها الاسرائيلي!
يا الهي!
ليلة طويلة. نعدّ الثواني بين قذيفة وأخرى، ثم أعلنت اسرائيل فجأة توقف العملية العسكرية في “علي الطاهر”، بعد تفجير اثنان كيلومتر ونصف من أنفاق “حزب الله”، على أن تواصل تفجير الخمسة كيلومترات الباقية لاحقا، خوف من وقوع زلزال في شمال اسرائيل، أما نحن في جنوب لبنان “الله لا يردنا!”