بقلم / راشد فايد

قد يكون أسوأ ما انطوت عليه “موقعة ساقية الجنزير” في رأس بيروت، أن مؤسسة الدولة اللبنانية ضربت من بيت أبيها، أي ممن يفترض أنه حاميها من الفساد والتطاول، وما استنسخ منهما من عمر الاستقلال وحتى قبله، مما يرقى إلى زمن السلطنة العثمانية، التي حكي في ظل نهايتها للمرة الأولى في التاريخ السياسي عالميا، عما سمي بـ”الدولة العميقة”.

انه وصف سياسي لشبكة نفوذ غير رسمية. تعمل داخل الدولة أو إلى جانبها وحتى ضدها. قد تؤثر في القرار بمعزل عن المؤسسات الدستورية. 

على سبيل التذكير، فإن استقلال لبنان لم ينه “الدولة العميقة”، التي زرعها الفرنسيون تحت عنوان الإنتداب، ورجحت “الرأي” الفرنسي، على كل ما عداه في مفاصل الحياة العامة. لاسيما بعد تقاسم النفوذ في الشرق الأوسط وإفريقيا بين لندن وباريس، ثم جاءت حرب قناة السويس التي قوضت الإستعمارين الفرنسي والبريطاني في المنطقة وافريقيا، و أتاحت موطئ قدم للولايات المتحدة الأميركية، كي ترثهما بنوع جديد من الإستعمار غير المباشر. توّج بولادة قطبين متناحرين على امتداد الكرة الأرضية: هما الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية ولكل منهما حلفاؤه وتابعوه.

من بعدها حلت الدولة العميقة الناصرية. كان ممثلها في لبنان السفير المصري عبد الحميد غالب، حتى سنة 1969، حين ولد اتفاق القاهرة، الذي أطلق تحكم منظمة التحرير الفلسطينية بالحياة العامة في لبنان، فصار القرار السياسي والإداري يولد في “الفاكهاني”، مقر أبو عمّار، ونالت الهيمنة الفلسطينية غطاء اسلاميا وعربيا، وناحرت الوصاية السورية، فيما ران ود مسيحي للإجتياح الاسرائيلي، فاستسلام وطني جامع أمام الهيمنة الأسدية برضى المجتمع الدولي والعربي، إلى أن عاد دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأميركية وانقض على إرث سلفه باراك أوباما، واستراتجيته في تحالف الأقليات، ليكون البديل التحالف الابراهيمي الموضوع الآن في حالة موت سريري.
أدى وصول ترامب ثانية إلى البيت الأبيض إلى تغييرات كثيرة في المشهد السياسي الدولي. لعل مؤشره الأدق خطف الأميركيين رئيس فنزويلا نيكولاس مادور، وكان بشار الأسد سبقه الى السقوط من على كرسي الحكم في سوريا بعدما احتلها لـ24 سنة، وتشارك اللبنانيون والسوريون الفرحة برحيله، لتفتح صفحة جديدة في تاريخ البلدين.
لم يتح الحكم الإستخباري البعثي تشكل دولة عميقة في كل من البلدين، فتعدد الأجهزة الأمنية، لاسيما في سوريا، لا يترك متنفسا لأي تشكيل إلا بإذنه، كما حال عسس حزب الله، ومع سقوطه انكشف، وتأكد مدى إمساك الحزب وشريكه في الثنائي بالمفاصل الرئيسية في بنية الدولة. لاسيما القضاء والعسكر والتعليم والمخافر. أي الأوتاد الأساسية لبنية الدولة العميقة، ومنها ما شهدته ساحة ساقية الجنزير، وما رافقها من عمل ظابط وجنود بثياب مدنية ومن دون أمر قضائي حسب ما روي!
في المقابل يستعيد اللبنانيون اشتياقهم الى الدولة السيدة الحرة، والى الديموقراطية وإعلاء القانون، لتكون جميعا العصب الذي يوحدهم، فلا يرتفع صوت غير صوت المؤسسات، ولا يكون في البلاد ميزان غير ميزان القانون.
ما عاشته ساحة “ساقية الجنزير” لساعات هو ملمح الى وجود دولة عميقة صفراء. راكمت إمساكها بمفاصل الحياة العامة، باللين حينا وبالإستقواء أكثر الأحيان، وبالإفتعال في كل حين، ومن ذلك ما انطوى عليه يوم السبت من محاولة جس نبض الفتنة النائمة، وكان سبقها إساءات إعلامية طالت مرجعيات دينية، بعدما نجح الحزب على مدى أكثر من 40 عاما بزرع مفاهيم ظلامية للحياة العامة. تؤطر الأجيال في صنمية اجتماعية وسياسية خارج العصر والزمان، وتفرض شراكتها على قرارات الآخرين، بالخوة والقوة. تحاول نحر آمالهم في ما رسمته الإرادة الوطنية الحرة من تمسك بالسيادة، وحصرية السلاح، وبناء الدولة، وإعادة الإعمار. أي ما يصر عليه رأسا السلطة التنفيذية، وإلّا لم انتخب جوزاف عون رئيسا للجمهورية، وسمّي نواف سلام رئيسا للحكومة؟
© All Rights Reserved. Designed by I.T.S