أسماء وهبة
فجرت وثيقة الرئيس دونالد ترامب “استراتيجة الأمن القومي الأمريكي” أسئلة، حول توجهات ادارته التي انقضت من ولايتها عام وبقي ثلاثة أعوام، التي حدد من خلالها خطوات عمل أهمها أن المصالح الأميركية أولا، وهو انعكاس لشعار ترامب الانتخابي “أمريكا أولا”.
استلهم ترامب نموذج الرئيس الأمريكي السابق جيمس مونرو، الذي وضع عام 1823 أول استراتيجية للأمن القومي الأميركي، التي اعتبرت لاحقا عقيدة السياسة الخارجية الأمريكية.
غير نموذج مونرو العالم في حينها، وها هو ترامب يفعلها مجددا من خلال ما اسماه “ملحق ترامب” الذي جاء في 33 صفحة، ليرسم استراتيجية الأمن القومي الأمركي وفقا لسلفه مونرو.
تحدث ترامب في وثيقة استراتيجة الأمن القومي الأمريكي الجديدة عن أن ما نشهده الآن هو نهاية حقبة وبداية حقبة جديدة. ستغير خريطة العالم من خلال التركيز الأمريكي على القارتين الأميركتين الشمالية والجنوبية، مع اعطاء مساحاة أكبر لأمريكا الجنوبية بسبب المشاكل الأمنية والديموغرافية الموجودة هناك، التي تنعكس سلبا على الداخل الأمريكي.
أقر ترامب بشكل حاسم في الوثيقة أنه لن يسمح لقوى خارجية مثل الصين أو روسيا بالعبث في تلك المنطقة، أو أن يكون لها نفوذ في كولومبيا مثلا أو فنزويلا أو الارجنتين، والا ستتدخل واشنطن بشكل رادع، في اشارة واضحة الى استعمال القوة المفرطة أمام ما يهدد مصالح وأمن واشنطن في تلك البقعة الجغرافية مثل كارتيلات المخدرات.
أعلن ترامب في ملحق اسراتيجية الأمن القومي أن بلاده انتهت مهمتها في حراسة العالم. لن تخوض واشنطن حروب لا شأن لها بها بعد أن كلفها ذلك الكثير دون أن يعود عليها بشيء . ليس ذلك فقط بل يرى ترمب أنه من غير الضروري أن تكون الولايات المتحدة الأمركية القوى العظمى في العالم، بعد أن تغيرت الموازين في اشارة واضحة الى وجود منافس قوي وشرس هو الصين، وبذلك يعترف ترامب أن بكين انتقلت من موقع الدول النامية الى نظيرتها المتقدمة.
بمعنى أدق يقول ترامب من خلال تلك الوثيقة للحلفاء قبل الخصوم أن الأعوام الثلاث الباقية من ولايته سينغلق على نفسه، للتركيز على المسائل الجيوسياسية في القارة الأميركية وفي الداخل الأميركي مثل قضايا الهجرة الجماعية، حيث أعلن في الوثيقة أن هذا الأمر انتهى بشكل تام. توقفت برامج حماية المهاجرين الأميركية القادمين من دول النزاعات. أيضا سيركز ترامب على الصناعة الأميركية كي ينتج طعامه وغذاءه ودواءه، بدلا من الاعتماد على الصين، الشيء الذي كلفه غاليا بعد خسارة حرب التعرفة الجمركية معها، بسبب سيطرتها على سوق المعادن النادرة العالمي اللازمة في الصناعات العسكرية والموبايل والسيارات.
حدد ترامب في الوثيقة شكل العلاقة المستقبلية مع الصين، التي اعتبرها خطر حقيقي، حيث سيكون الصراع بين واشنطن وبكين اقتصادي وجيو سياسي. لذا سيعمل ترامب وفق مبدأ المعاملة المتبادلة والتوازن التجاري لاعادة استقلال الاقتصاد الأمريكي، بالإضافة الى تطويق الصين عبر عقد تحالفات مع كوريا الجنوبية واليابان داخل منطقة النفوذ الصيني.
فيما يتعلق بأفريقيا أقر ترامب في الوثيقة بأن زمن المساعدات غير المشروطة قد انتهى، وستعمل واشنطن هناك من خلال شركات أمريكية، ناشطة ومستثمرة في أفريقيا لتنفيذ عمليات تبادل تجاري مع الحلفاء.
خص ترامب في الوثيقة الشرق الأوسط مساحة هامة، حيث وصفه بأنه ذلك الجزء من العالم الذي نجح في تدمير ايران وحركة حماس، وهو الآن جغرافيا قادمة نحو السلام. لذا لن تسمح واشنطن بوجود قوى تهدد أمن الشرق الأوسط، الذي ستتركز استراتيجية واشنطن فيه على بناء الاستثمارات وزيادة التبادل التجاري، كونه أهم مورد للطاقة عالميا، وساحة استثمار متنامية للذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية.
سينفذ ترامب وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركي عبر بناء تحالفات ضامنة للأمن، واستقطاب دول قادرة على لعب دور الضامن الاقليمي في ملفات مثل الهجرة غير الشرعية. سيعمل ترامب على تعزيز الأمن الاقتصادي في أمريكا اللاتنية، وسيدمج الدبلوماسية التجارية في هذا الأمر عبر عقد اتفاقيات تجارية قادرة على تحويلها الى سوق جاذب للشركات الأميركية لمواجهة منافسين أقوياء مثل روسيا والصين.
اذن ترامب في الأعوام الثلاث القادمة ستكون مساحة عمله في أمريكا اللاتينية وبحر الصين، دون أي اهتمام بتصعيد أو مواجهات أو أزمات في أي مساحة أخرى من العالم، انطلاقا من أزمة مالية واضحة تعيشها الولايات المتحدة الأمركية، ودولار ضعيف، وتضخم انعكس سلبا على المواطن الأميركي، وبالتالي لن يكون مهما لادارة ترامب مشكلة في الشرق الأوسط أو أفريقيا أو الرغبة الاوروبية في هزيمة روسيا، فكل ما يريده هو تصفير المشكلات كي يتفرغ للداخل الأميركي.