أسماء وهبة
بدأ صراع اقليمي جديد في المنطقة، لكن هذه المرة من بوابة افريقيا وتحديدا في البحر الأحم،ر بعدما اعترف رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو بشكل منفرد بأرض الصومال كدولة مستقلة. تعتبر اسرائيل الوحيدة في العالم التي أقدمت على ذلك. رغم محاولات حكومات أرض الصومال المتعاقبة منذ عام 1991 اقناع الدول الاعتراف بها كدولة مستقلة ذات سيادة عن الصومال.
بدأت الحكاية في القرن التاسع عشر، عندما قسم الاستعمار الصومال الى أرض الصومال التي احتلتها ايطاليا، والصومال التي احتلتها بريطانيا، ثم تخلوا عنهما في ستينات القرن العشرين، حيث سارعت أرض الصومال حينها لاعلان الاستقلال عن الصومال، واعترفت بها عدة دول في مقدمتها اسرائيل، لكن ما لبث هذا الأمر أن انتهى، وعادت أرض الصومال جزءا من دولة الصومال تحت حكم مقديشيو، ثم انغمست الحكومة الصومالية المركزية في حرب أهلية. هنا نأت أرض الصومال بنفسها عن ذلك، وأعلنت انفصالها عن الصومال في عام 1991 ، دون أن تعترف بها أي دولة في العالم.
ما هي أهمية أرض الصومال؟
هي نقطة استراتيجية على طريق الملاحة العالمية في البحر الأحمر عند مضيق باب المندب، قرب مصر، وفي مواجهة المملكة العربية السعودية واليمن. يوجد فيها ميناء بربرة الذي يعتبر الأهم في حركة الملاحة هناك، وباعتراف اسرائيل بشكل منفرد بأرض الصومال كدولة مستقلة، فستكون لها الأولوية للاستثمار في البحر الأحمر من خلال ميناء بربرة، بالإضافة الى ما أعلنه نتنياهو عن استثمارات مجالات التعليم والصحة والذكاء الاصطناعي.
ليس ذلك فقط بل ستعمل تل أبيب على اقناع الولايات المتحدة الأمريكية للاعتراف أرض الصومال، انطلاقا من موافقة تلك الأخيرة على الانضمام الى الاتفاقيات الابراهيمية، وما يهم واشنطن هنا أنها ستكون قادرة من خلال أرض الصومال انشاء قاعدة عسكرية قرب ميناء بربرة لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي في جيبوتي. كما سيضمن الوجود الاسرائيلي ومن وراءه الأمريكي في أرض الصومال ضرب الحوثيين في اليمني، بعد أن كبدوا تل أبيب خسائر اقتصادية فادحة منذ السابع من أكتوبر 2023 ، وأهمها منع السفن التجارية من الوصول الى اسرائيل.
أيضا عقدت اسرائيل اتفاق غير معلن مع أرض الصومال. يقضي بنقل عدد كبير من سكان غزة اليها. هذا رغم نفي أرض الصومال، لكن هناك تأكيدات بأن أحد أسباب توقيع نتياهو على الاعتراف بدولة أرض الصومل هو موافقتها على خطة التهجير الفلسطينية.
ماذا عن الدول المتضررة من اعتراف اسرائيل بدولة أرض الصومال؟
يشكل اعتراف اسرائيل بدولة أرض الصومال سابقة خطيرة، من ناحية تفكيك الدول الى كيانات غير شرعية، الشيء الذي قد تنتقل عدواه الى أماكن أخرى، وهو ما لا توافق عليه دول الاقليم، لكن أكبر المتضررين من انفصال أرض الصومال عن الصومال هي مصر، التي وقعت اتفاقية دفاع مشترك مع مقديشيو، لمواجهة تعديات أثيوبيا المائية على نهر النيل. في المقابل عرضت أثيوبيا على أرض الصومال استثمار 20 كم الى جوار ميناء بربرة لمدة 50 سنة، مقابل نسبة من أرباح الطيران الأثيوبي في محاولة لتطويق مصر، لكنها تراجعت عن ذلك أمام التلميح المصري بعمل عسكري، وبالتالي الاعتراف باستقلالية أرض الصومال يهدد الأمن المائي المصري ويدعم النفوذ الأثيوبي في القرن الأفريقي.
الدولة الثانية المتضررة من اعتراف اسرائيل بدولة أرض الصومال هي تركيا، التي يوجد لديها أكبر قاعدة عسكرية خارج بلادها في الصومال، وهي من كبار المستثمرين فيها، وبالتالي ستواجه منافسة شرسة مع اسرائيل في البحر الأحمر.
اذن نحن أمام تشكل محور مصري تركي صومالي مدعوم من المملكة العربية السعودية التي أدانت الخطوة الاسرائيلية، مقابل محور أميركي اسرائيلي أثيوبي من أرض الصومال، حيث اعتبر المحور الأول أن الاعتراف بدولة أرض الصومال تهديد للسلم الدولي.
من هنا تسعى اسرائيل الى تحقيق استثمارات جديدة في أفريقيا، والسيطرة على بقعة مهمة في الملاحة البحرية على البحر الأحمر، وقطع آخر ذراع ايرانية في اليمن، والأهم تنفيذ المرخلة الأولى من تهجير أهل غزة الى أرض الصومال بعدما فشلت محاولات تل أبيب بنقلهم الى سيناء. كما ستسجل حليفتها واشنطن نقطة على بكين في انشاء ميناء عسكري ضخم. يراقب استثماراتها في وسط أفريقيا، أما الخاسر الحقيقي من الاعتراف بدولة أرض الصومال هي مصر التي ستطوق أمنيا واقتصاديا من الجنوب، وستخسر تركيا جزء كبيرا من استثماراتها البحرية في القرن الأفريقي لصالح اسرائيل.