عبد الهادي محفوظ
كيف يمكن فهم الاستجابة الروسية لطلب الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” بتزويد الأسواق الأميركية والعالمية بخمسة ملايين طن من وقود الديزل؟
لا تلتقي هذه الخطوة مع السياسة الأميركية في حظر استيراد الوقود الروسي إلى الولايات المتحدة الأميركية، كما أنها تعيق الضغط الايراني على مضيق هرمز، وسياسة ايران بحصار الحصار، وهي مؤشّر أميركي على إطلاق يد روسيا عسكريا في أوكرانيا، أو دفع كييف للقبول بالشروط الروسية، مع إحراج الدول الأوروبية، التي تعتبر أوكرانيا خط الدفاع الأول عنها.
ان الإتفاق الأميركي – الروسي على تزويد موسكو بوقود الديزل للأسواق العالمية جاء بعد اتصال تليفوني من “ترامب” بالرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، وجاء لاحقا لاتفاقات أجراها مسؤولون أمنيون، من دول الناتو، مع الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي”، وأبدت واشنطن تحفّظات مسبقة عليها على لسان وزير الخارجية الأميركي “ماركو روبيو”، الذي رأى في هذه الاتفاقات الأمنية – العسكرية – المعلوماتية عنصر تفجير اقليمي واسع.
في معلومات من مصادر أوروبية ديبلوماسية غربيّة أن الاتصال التليفوني من الرئيس “ترامب” إلى الرئيس “بوتين” أشار إلى دور روسي في معالجة أمرين: مضيق هرمز والبرنامج النووي الايراني.
هو اشراك “بوتين” في إنتاج حل سلمي للتوتر الأميركي – الايراني، واختبار روسي لما يمكن أن تقبل به ايران، وما ترفضه، في اتصال مباشر من “بوتين” بالرئيس الايراني “مسعود بزشكيان”، وسبق هذا الاتصال لقاءات بين مسؤولين روس وايرانيين، على تحقيق تعاون اقتصادي بين موسكو وطهران، عبر بحر قزوين، بحيث تؤمّن روسيا الاحتياجات الأساسية الايرانية، ضمن معادلة التداخل بين الحربين الروسية – الأوكرانية، والأميركية – الايرانية.
أكد “بزشكيان” لـ “بوتين” بأن ايران تريد الحوار، وترغب في حل سلمي، مع استبعاد الضغوط الاقتصادية، والحصار البحري، والتهديد بالإبادة، وهي مع فتح المضيق بشروط معيّنة، ومع حوار في العمق حول البرنامج النووي، إنما تتمسك بامتلاك القدرة النووية لأغراض مدنية سلميّة.
لا شك أن هناك تلاقٍ بين واشنطن وموسكو وحتى بكين على عدم امتلاك ايران لسلاح نووي، ولا تمانع ايران ذلك استنادا لمعادلة ’’تحريم السلاح النووي‘‘، وفق المرجع الأعلى “السيد علي خامنئي”، الذي لا يمكن أن تخالفه أي جهة في المستويين السياسي والعسكري الايراني، كما أن مسألة ’السلاح النووي قد كتب عنها بوضوح وزير الخارجية الايراني “عباس عراقجي” في كتابه ’’قوة التفاوض‘‘ بتعبير ملفت: ’’صفر قنبلة نووية وإنما تخصيب لليورانيوم لأغراض مدنية‘‘.
هي معادلة ترتكز إلى ’’نعم وإنما..‘‘.
الثابت حاليا أن الشراكة الروسية بالوساطة بين واشنطن وطهران قطعت الطريق على ’خيار عسكري‘ لحرب أميركية تمتد إلى 72 ساعة على ايران، حيث كان “ترامب” مترددا حول هذا الخيار، الذي علمت به أكثر من جهة ديبلوماسية، وأبلغت سفاراتها به في لبنان. إنما هذا الدور الروسي لا يناسب رئيس الحكومة الاسرائيلية “بنيامين نتنياهو”، ومع ذلك لا يستطيع أن يعطّله، في مرحلة التحضير لانتخابات اسرائيلية حاسمة، لأن من نتائج ذلك أن تقول موسكو ’’لا لنتنياهو حتما في الانتخابات‘‘، خصوصا أنها تملك وزنا لا يُستهان به في الجالية اليهودية الروسية بالدولة العبرية، و’’لا لنتنياهو روسيّا‘‘ يستدرج إلى ’’لا لنتنياهو أميركيا‘‘.
من ناحية أخرى يعد الخاسر الأكبر من الود بين “ترامب و”بوتين” هو “زيلينسكي”، ومعه الدول الأوروبية. هذا استنتاج مركز “بابل للدراسات المستقبلية”، الذي أورد تعليقا للرئيس الأوكراني هاجم فيه سيد البيت الأبيض جاء فيه: ’’إن أي تخفيف للعقوبات المفروضة على روسيا دون اتفاق واضح ومستدام لخفض التوترات معها هو تعبير واضح عن الضعف، فمثل هذه الخطوة تخدم مصالح روسيا، وتسمح لها بقتل المزيد، وشن حرب أطول، وتشويه سمعة أميركا أكثر، وإلحاق خسائر، وأضرار أكبر بالعالم‘‘.
ان الحرب الأميركية – الايرانية فتحت الباب أمام تعددية قطبية، وأدوار اقليمية، بما فيها دور ايراني في محيطها، كما أنها المدخل لشراكات أميركية – ايرانية اقتصادية وسياسية، صحيح قد يتأخر هذا الأمر قليلا، غير أنه حاصل حتما!
© All Rights Reserved. Designed by I.T.S