ابراهيم طه
في لبنان لم تعد معركة الحرب والسلام مجرد نقاش حول جبهة مفتوحة أو اتفاق لوقف إطلاق النار. إنما أصبحت سؤالًا أكبر يتعلق بمن يملك القرار، عندما تتغير موازين المنطقة، وتدخل البلاد في مواجهة، لا يملك اللبنانيون قرار بدايتها أو نهايتها.
وجد لبنان نفسه أمام واقع شديد التعقيد بعد اندلاع المواجهة الأخيرة!
حزب الله يتحرك عسكريًا انطلاقًا من الأراضي اللبنانية، بينما تؤكد الدولة اللبنانية أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى في يد مؤسساتها الدستورية، وقد عبّرت الحكومة بوضوح عن رفضها أي عمل عسكري ينطلق من الأراضي اللبنانية خارج مؤسسات الدولة، وربطت ذلك بحصر السلاح، وقرار الحرب والسلم بيدها، لكن استعادة الدولة لقرار الحرب لا ينهي الأزمة.
يواجه لبنان سؤال مهم: كيف يُدار قرار السلام والتفاوض؟
إذا كان المبدأ هو أن القرارات السيادية لا تُتخذ من طرف واحد، فإن هذا المبدأ يجب أن يظل ثابتًا عندما تنتقل البلاد من الميدان العسكري إلى طاولة التفاوض، وهذا لا يعني وضع الحكومة اللبنانية وحزب الله في كفة واحدة، ولا تجاهل الفارق بين قرار عسكري اتُّخذ خارج مؤسسات الدولة، وبين مسار تفاوضي تقوده المؤسسات الرسمية، لكنه يعني أن نجاح الدولة في استعادة قرارها لا يُقاس فقط بقدرتها على منع الحرب، وإنما أيضًا بقدرتها على بناء توافق وطني، حول شروط السلام، ومصالح لبنان، وحدوده، وسيادته.
المشهد أكثر تعقيدًا، لأن لبنان لا يتعامل مع طرف واحد فقط، فإلى جانب أزمة السلاح، ودور حزب الله، تستمر إسرائيل في عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، بينما تصر بيروت على انسحاب القوات الإسرائيلية، وتطبيق الاتفاقات، والقرارات الدولية، وتعمل في الوقت نفسه على مسار تفاوضي برعاية دولية، بالتالي اختزال الأزمة اللبنانية في سؤال «سلاح حزب الله» وحده قد يحجب نصف الصورة.
القضية الأعمق هي بناء دولة تستطيع أن تحتكر قرار استخدام القوة، وتفاوض باسم جميع اللبنانيين، وتحمي حدودها، وتدافع عن مصالحها، من دون أن يتحول التفاوض إلى مسار منفصل عن التوافق الوطني.
لبنان أمام فرصة صعبة لاستعادة المعادلة التي افتقدها طويلًا، وهي أن يكون قرار الحرب بيد الدولة، وأن يكون قرار السلام بيد الدولة، وأن تكون الدولة في الحالتين مسؤولة أمام شعبها ومؤسساتها، لا أمام أي قوة داخلية أو خارجية، فالمعركة الحقيقية ليست فقط على السلاح، ولا على طاولة المفاوضات، وإنما على استعادة القرار الوطني اللبناني، لأن الدولة التي لا تملك وحدها قرار الحرب، ستظل تواجه سؤالًا مفتوحًا حول من يملك قرار السلام!