إبراهيم طه

أحيانًا لا تصنع الأزمة جملة كاملة، وإنما تخرج كلمة من سياقها، فتبدأ حياة أخرى على مواقع التواصل الاجتماعي.
في بودكاست «قصتي»، تحدث الفنان “أحمد العوضي” عن بداياته، واستعاد ذكرياته مع أول سيارة امتلكها، «ميتسوبيشي لانسر»، التي وصفها بأنها كانت مصدر سعادة كبيرة في ذلك الوقت، قبل أن يتحدث عن سيارته الحالية «مرسيدس»، قائلاً: «فاكر الميتسوبيشي، لكن لا يمكن أرجعلها».
الجملة انتشرت سريعًا. لم تبقَ في إطار الحديث عن السيارات ومراحل الحياة. إذ ربطها كثيرون بعلاقته السابقة بالفنانة “ياسمين عبد العزيز”، لتتحول السيارة في القراءة الشعبية من وسيلة انتقال إلى استعارة لعلاقة عاطفية انتهت، وشخص حلّ محل شخص.
سارع العوضي إلى التوضيح والاعتذار، مؤكدًا أن حديثه كان عن مراحل الحياة، وليس العلاقات العاطفية، وحرص على توجيه التقدير إلى “ياسمين عبد العزيز”، وعلينا أن يكون الإنصاف حاضرًا: لا توجد قرينة تثبت أنه قصد الإساءة أو أراد تشبيه المرأة بالسيارة، والاعتذار في حد ذاته أفضل من المكابرة، أو تجاهل غضب الجمهور، لكن القصة تستحق أن نتجاوز بها اسم العوضي نفسه، لأن السؤال الحقيقي ليس: هل قصد الرجل الإساءة؟! بل السؤال الأهم: متى بدأت اللغة التي نصف بها الأشياء تتسلل إلى الطريقة التي نتحدث بها عن البشر؟!
نحن نعيش في زمن أصبحت فيه ثقافة الاستهلاك جزءًا من تفاصيل حياتنا. هاتف قديم يُستبدل بآخر أحدث. سيارة تُترك لموديل جديد. ملابس تتغير قبل أن تبلى. علاقات أصبحت تُدار أحيانا بعقلية السوق: ما الذي أملك؟ ماذا أستطيع أن أستبدل؟ وهل القادم أفضل من السابق؟
المشكلة هنا ليست في سيارة «ميتسوبيشي» ولا في سيارة «مرسيدس»، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها هذه المفردات إلى طريقة تفكير، فالمرأة ليست «موديلًا» سابقًا، والرجل ليس منتجًا قابلًا للترقية، والإنسان لا تختصر قيمته في مقارنته بما جاء بعده، والأهم أن احترام المرأة لا يحتاج إلى خصومة مع الرجل، كما أن الدفاع عن كرامة الرجل لا يقتضي الانتقاص من المرأة.
ان القضية أكبر من الطرفين!
هي في الحفاظ على إنسانية العلاقات نفسها.
ربما لم يقصد العوضي كل هذه الدلالات، وربما كانت الجملة مجرد تشبيه عابر في حديث طويل، لكن الشخصيات العامة تدفع ثمنًا إضافيًا للكلمات؛ لأن ما يقال أمام الملايين لا يظل ملكًا لصاحبه، بعد أن يخرج إلى المجال العام، وإذا كان لدينا درس يتجاوز هذه الواقعة فهو أن السيارات يمكن استبدالها، والموديلات تتغير، لكن البشر ليسوا سلعًا في سوق مفتوح، فالسيارة القديمة قد تصبح ذكرى جميلة لا نعود إليها، أما الإنسان الذي كان جزءًا من حياتنا، فحتى حين تنتهي العلاقة معه، تظل كرامته أكبر من أن تتحول إلى مقارنة بين «موديل قديم» و«موديل أحدث»، بالتالي يجب أن نتوقف قليلًا، قبل أن نضحك على الجملة، أو نهاجم صاحبها، ونسأل أنفسنا: هل تغيرت لغتنا فقط، أم تغيرت نظرتنا إلى الإنسان؟!
© All Rights Reserved. Designed by I.T.S