أسماء وهبة
قضت المحكمة العسكرية الدائمة في بيروت غيابيا بإنزال عقوبة الأشغال الشاقة، لمدة خمسة عشر عاما، بحق الاعلامية “ماريا معلوف”، على خلفية اتهامها بالتواصل والتطبيع مع العدو الاسرائيلي، واستدعاء عدوان خارجي، من شأنه قتل اللبنانيين، وتشريدهم، وانتهاك سيادة البلاد، وتقويض مؤسسات الدولة.
جاء الحكم في القضية بناء على اخبار من المحامي “غسان المولى”، وكيل هيئة ممثلي الأسرى والمحررين، أمام النيابة العامة العسكرية، حيث اتهم معلوف بارتكاب أفعال تندرج في اطار الخيانة الوطنية، ومخالفة القوانين اللبنانية، التي تحظر الاتصال بالعدو والتعامل معه.
قرأت هذا الخبر عصر اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي، فأعاد ذاكرتي الى عام 2007 ، حينما عملت في بداية حياتي المهنية معدة في برنامج “سجال” على قناة NBN، حيث التقيت هناك بـ “ماريا معلوف”، التي سبق حضورها الى القناة، دهشة وسط العاملين، حيث ستطل “ماريا معلوف” ببرنامج سياسي ذو طابع عربي على القناة.
حصلت ماريا كما قيل حينها على تمويل خارجي، لتقديم برنامجها، وكان لديها فريق اعلامي طويل عريض. كان الافت أن شارة البرنامج كتب عليها أنه من اعداد وتقديم “ماريا معلوف” مع أن جميعنا نعلم هوية معد البرنامج، وأنها أي “ماريا معلوف” عاجزة عن كتابة جملة مفهومة ووضاحة المعالم وبالتالي “ما بتعرف تصيغ سؤال!”
التقيت بـ “ماريا معلوف” أول مرة في غرفة المونتاج، حيث خصصت القناة غرف محددة للبرامج، بعيدا عن صخب الأخبار. كان يوجد في الغرفة وحدتي مونتاج على طاولة كبيرة. جلست أنا والمونتير على الجزء الأول من الطاولة فيما جلس المونتير الثاني على الطرف الآخر. يعمل الجميع بجد. انضم مدير البرامج السياسية في حينها الى مونتير برنامج “ماريا معلوف”. أعطاه ملاحظاته على المحتوى بقلق، قبل وصولها، فكلاهما متوجس، من أن لا تعجبها الحلقة!
“حسيت عم يحكوا عن صاحب القناة ربما مش مجرد مذيعة.. قد ما كانوا موترين!”
وصلت “ماريا معلوف” الى غرفة المونتاج. كان الباب مفتوحا. شديدة الأنيقة. ترتدي نظارة شمسية سوداء مع أننا في الطابق الثاني تحت الأرض. تزينت ببدلة ثمنية لا يقل سعرها عن خمسة آلاف دولار مع حقيبة بنفس الثمن تقريبا. لا طرق على الباب. لا صباح الخير ولا مساء الخير لأي من الجالسين في الغرفة. تنهض مدير البرامج من مكانه وتبعه المونتير لتحية “ماريا معلوف”، التي طالعت الغرفة يمينا ويسارا، دون الالتفات لي أو زميلي المونتير لتحيتنا حتى لو بإيماءة رأس، كأننا أشباح غير مرئية في الغرفة!
أخذت تشاهد الحلقة، وتعطي ملاحظتها بصوت خفيض، يجبر المونتير ومدير البرامج على التركيز في تعليماتها، ثم غادرت بعد نصف ساعة من التعذيب النسفي لكليهما، دون يعطيكم العافية وتحديدا للمونتير، الذي انكب ثلاثة أيام من أجل انجاز حلقتها!
طالعناها جميعا بدهشة ونحن نردد في دواخلنا عبارة واحدة: “على شو شايفة حالها!”
مرت السنوات، وحقق مدير البرامج السياسية السابق في NBN نجاحا، وكذلك زميلينا في المونتاج، وأنا. أسست شركتي الخاصة، ونشرت عدة كتب، ومنصة اليكترونية، وقدمت عدد من البرامج، أما “ماريا معلوف” خفت وهجها مع توقف التمويل الخارجي عن برامحها، ثم انتقلت من ما عرف بـ “محور المقاومة” الى اسرائيل، حتى باتت ضيفة ثابتة في المنصات الاسرائيلية، وتدافع عن تل أبيب أكثر من الاسرائيليين أنفسهم، وتهاجم بضراوة من تبنت قضيتهم دهرا، والآن حكم عليها بالأشغال الشاقة المؤبدة بعد أن اتهمت بالخيانة!
