ابراهيم طه

بعض الناس لا يحتاجون إلى سنوات طويلة كي يتركوا أثرًا في ذاكرتك. يكفي أحيانا لقاءان، وبينهما تفاصيل صغيرة، لا تبدو مهمة، ثم تكتشف بعد سنوات أنها هي التي بقت!

أتذكر هذا كلما عادت إلى ذهني بيروت في خريف عام 2003.
كانت زيارتي الأولى إلى لبنان. التقيت هناك للمرة الأولى وزير الاعلام حينها غازي العريضي، الذي أصر يومها على دعوتي إلى الغداء، واستقبلني بحفاوة كبيرة،
كان يتحدث بمحبة واضحة عن مصر وشعب مصر وفن مصر. كان حديثًا دافئًا بعيدًا عن الرسميات، لذلك ترك في نفسي انطباعًا لا تزال تفاصيله حاضرة، رغم مرور أكثر من عشرين عامًا.
في ذلك الوقت، كنت على اتصال دائم بوالدتي. أعود إليها بكل تفاصيل يومي تقريبًا. أحكي لها أين ذهبت، ومن قابلت، وحتى من سلّمت عليه. لم أكن أعرف أن هذه التفصيلة الصغيرة ستعود في اللقاء الثاني!
التقينا مرة أخرى بعد أيام قليلة في أبوظبي. كانت الحكومة اللبنانية قد شهدت في 17 نيسان – أبريل 2003 تعديلًا وزاريً.، انتقل معه غازي العريضي من وزارة الإعلام إلى وزارة الثقافة في حكومة رئيس الحكومة اللبناني الراحل رفيق الحريري.
كان اللقاء الثاني أكثر هدوءًا. بدأت تتشكل ألفة بيننا. التفت اليّ بعد دقائق من الحديث قائلا: «سلّم لي على الست الوالدة… وهل فيني أكلمها؟»
أخرجت هاتفي. اتصلت بأمي، لكن المكالمة لم تتم؛ كانت في زيارة لجارة مريضة، أخبرتها لاحقًا بما حدث، فقالت لي: «يا ابني، بلّغه سلامي، وقُل له إني فرحت بمحبته لمصر وأهلها، وإن شاء الله تجمعنا مكالمة تانية.»
جملة بسيطة تشبه أمي.
كانت قوية، صاحبة حضور، وبلاغة وحكمة بالفطرة، لذلك لم تكن بالنسبة لي مجرد أم، أعود إليها، لأحكي لها تفاصيل يومي، إنما كانت أول من أطلب رأيه، حين أريد كلمة لها وزنها.
كنا في تلك الأمسية في افتتاح معرض للفن التشكيلي، بحضور السفير اللبناني، وعدد من أبناء الجالية اللبنانية، وتنقل الحديث بين الفن والثقافة والسياسة، وبطبيعتي المصرية، لم أترك فرصة الدعابة تمر، فقلت له: «وشي حلو عليك يا معالي الوزير!»
مضت الأمسية، لكن أكثر ما بقي منها في ذاكرتي حديثنا عن الثقافة، وتحديدًا عن مشروع «كتاب في جريدة»!
كانت الفكرة في ظاهرها بسيطة، لكنها شديدة الذكاء: أن يصل الكتاب إلى القارئ من خلال الجريدة، وأن يجد القارئ عملًا أدبيًا أو فكريًا مهمًا بين يديه، دون أن يذهب للبحث عنه.
كانت الثقافة هي التي تذهب إلى الناس. لا تنتظر أن يبحث الناس عنها. كان القارئ يفتح جريدته في الصباح، فيقرأ الأخبار والسياسة والرياضة والإعلانات، ثم يجد كتابًا إلى جوارها. كأن الثقافة تقول له: «أنا أيضًا هنا.» ربما لهذا السبب ظل اسم «كتاب في جريدة» حاضرًا في ذاكرتي كل هذه السنوات. ليس بسبب الحنين إلى الورق فقط، ولا لأن الماضي كان أجمل، إنما لأن الفكرة نفسها تبدو أكثر احتياجًا إلينا اليوم، بعد أن تغير كل شيء تقريبًا!
لم تعد الجريدة هي الوسيط الأهم. أصبح الكتاب في الهاتف. لا تحتاج المعلومة إلا إلى ثوانٍ حتى تصل إلينا. المحاضرة التي كانت تحتاج إلى موعد أو سفر يمكن أن تشاهدها وأنت جالس في بيتك!
ومع ذلك، حدث شيء غريب!
لم تعد المعرفة بعيدة.
أصبحت الأشياء كثيرة إلى درجة تجعل العثور على المعرفة أصعب!
إشعار، فيديو، خبر عاجل، صورة، إعلان، تعليق، رأي، معلومة، أو نصف معلومة!
كل شيء يريد انتباهنا في اللحظة نفسها.
زمان كان السؤال: أين أجد الكتاب؟
أما اليوم، فالسؤال الأصعب ربما أصبح: كيف أجد الكتاب وسط كل هذا؟
أعود هنا إلى فكرة «كتاب في جريدة».
لا أعتقد أننا بحاجة إلى استعادة المشروع بالشكل القديم، ولا إلى إعادة الورق لمجرد الحنين. ربما نحتاج إلى استعادة الفكرة التي كانت وراءه. أن تعرف الثقافة كيف تصل إلى القارئ، وأن تساعده في الاختيار، وأن تقول له وسط هذا الزحام: هذا الكتاب يستحق وقتك، فالقارئ المعاصر لا يعاني من قلة الكتب، بل يعاني من كثرة الأشياء التي تنافس الكتاب على وقته. ربما هذه هي المفارقة التي لم تكن واضحة لنا في 2003!
كنا نبحث عن الكتاب لأن الوصول إليه كان أصعب، أما اليوم فالكتاب أمامنا طوال الوقت، لكننا نحتاج إلى من يساعدنا على الوصول إليه وسط كل ما حوله.
بعد سنوات من ذلك اللقاء، عرفت من سيدة فلسطينية صديقة، وهي شاعرة أعتز بصداقتها، أن غازي العريضي مُنح الجنسية الفلسطينية، تقديرًا لمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني.
توقفت طويلًا أمام هذه المعلومة. ليس لأنها تضيف لقبًا جديدًا إلى رجل، شغل مواقع سياسية وإعلامية وثقافية، إنما لأن بعض الانتماءات لا تأتي بالميلاد، إنما تصنعها المواقف.
أن تمنحك فلسطين جنسيتها، بما تحمله من معنى وقضية وذاكرة، فهذا في حد ذاته يقول شيئًا عن علاقة الرجل بها، وعن المساحة التي احتلتها القضية الفلسطينية في مسيرته، وحين أتذكر غازي العريضي بعد أكثر من عشرين عامًا، لا أتذكر فقط الوزير الذي التقيته مرتين. أتذكر الرجل الذي أصر في اللقاء الأول على أن يضيفني إلى مائدته، وتحدث بمحبة عن مصر وفنها وأهلها، ثم تذكر في اللقاء الثاني «الست الوالدة»، وأراد أن يسمع صوتها/ وأتذكر أيضًا حديثًا عن كتاب.
ربما يجمع بين الأمرين شيء واحد: الاهتمام بالإنسان، فالكتاب لا قيمة له إذا لم يصل إلى إنسان، والثقافة لا تعيش في المؤسسات وحدها، إنما تبدأ حين يشعر الإنسان أن هناك من يفكر فيه، ويعرف ما قد يضيف إليه، ويضع المعرفة في طريقه.
تغيرت الجريدة، وتغير الورق، وتغير القارئ، وتغيرت الطريقة التي تصل بها الأشياء إلينا، لكن حاجتنا إلى الكتاب الجيد لم تتغير.
ربما لم نعد بحاجة إلى «كتاب في جريدة» بالمعنى القديم.
ربما نحن بحاجة فقط إلى أن نعيد للكتاب طريقه إلى الإنسان!
فهل من مجيب؟!
© All Rights Reserved. Designed by I.T.S