بقلم / د. سعيد محمد أبو رحمه

تعكس الرسالة المفتوحة التي وقّعها أكثر من 400 وزير وسفير ومسؤول أوروبي سابق ضد مشروع E1، تحوّلًا نوعيًا في طبيعة المقاربة الأوروبية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ليس فقط من حيث مضمون الموقف، بل من حيث مستوى التحذير من تداعيات هذا المشروع على مستقبل التسوية السياسية برمّتها.

تتجاوز هذه الرسالة الإطار التقليدي للانتقاد الدبلوماسي، إلى ما يشبه إنذارًا سياسيًا مبكرًا، من الوصول إلى نقطة اللاعودة، حيث يصبح حل الدولتين غير قابل للتطبيق عمليًا.

يكتسب مشروع E1 حساسيته الاستثنائية من موقعه الجغرافي ووظيفته الاستراتيجية. إذ يهدف إلى ربط مستوطنة “معاليه أدوميم” بمدينة القدس، ما يعني خلق حزام استيطاني. يفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها. لا يقتصر هذا الفصل على البعد الجغرافي، بل يمتد إلى البنية السياسية والاقتصادية للدولة الفلسطينية المفترضة، حيث تتحول إلى كيان مجزأ. يفتقر إلى التواصل الإقليمي، والسيادة الفعلية، الأمر الذي يجعل فكرة الدولة أقرب إلى صيغة إدارية منها إلى كيان سياسي قابل للحياة.
من هذا المنطلق تنظر النخب الأوروبية الموقعة على الرسالة إلى المشروع، باعتباره لحظة حاسمة في مسار الصراع، وليس مجرد توسع استيطاني جديد، فبينما اعتادت أوروبا على انتقاد النشاط الاستيطاني بشكل عام، فإن E1 يمثل في نظرها تغييرًا نوعيًا في قواعد اللعبة، لأنه يعيد رسم الجغرافيا السياسية للضفة، بطريقة تقضي على أي إمكانية لتسوية قائمة على أساس دولتين، وهذا يفسر اللغة الحادة في الرسالة، والدعوة إلى تحرك فوري، بدل الاكتفاء ببيانات القلق التقليدية.
في البعد القانوني، تستند هذه المواقف إلى مرجعية اتفاقيات جنيف، التي تحظر على قوة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة. غير أن الإشكالية التي تبرز هنا ليست في غياب الإطار القانوني، بل في محدودية القدرة على فرضه، فالاتحاد الأوروبي، رغم كونه لاعبًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا مهمًا، لم يتمكن من تحويل هذا الموقف القانوني إلى أدوات ضغط فعالة على إسرائيل، سواء بسبب الانقسامات الداخلية بين دوله الأعضاء، أو بسبب اعتبارات تتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية.
يظهر هنا أحد أهم أبعاد هذه الرسالة، هي الفجوة بين الوعي السياسي المتقدم لدى النخب الأوروبية السابقة، وبين الحذر أو التردد الذي يطبع مواقف الحكومات الحالية داخل الاتحاد الأوروبي، فالموقعون بحكم خبرتهم الطويلة في العمل الدبلوماسي والسياسي، يدركون أن استمرار الوضع الحالي دون تدخل حاسم سيؤدي إلى تثبيت واقع الدولة الواحدة، بحكم الأمر الواقع، مع ما يحمله ذلك من تعقيدات قانونية وأخلاقية وأمنية على المدى البعيد، كما أن توقيت الرسالة لا يمكن فصله عن السياق الدولي والإقليمي الأوسع، حيث تتراجع أولوية القضية الفلسطينية في الأجندة العالمية لصالح أزمات أخرى، مثل التوترات الكبرى بين القوى الدولية، أو النزاعات الإقليمية المتعددة.
في هذا السياق، تبدو الرسالة كمحاولة لإعادة تسليط الضوء على الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، باعتباره عنصرًا أساسيًا في استقرار الشرق الأوسط، وليس قضية هامشية يمكن تأجيلها، مع ذلك تبقى الإشكالية الأساسية في مدى قدرة مثل هذه الرسائل على إحداث تغيير فعلي، فالتجربة التاريخية تشير إلى أن إسرائيل تميل إلى المضي قدمًا في مشاريعها الاستيطانية. طالما لم تواجه تكلفة سياسية أو اقتصادية ملموسة، بالتالي فإن القيمة الحقيقية لهذه الرسالة تكمن في بعدها التراكمي. أي في مساهمتها في بناء رأي عام أوروبي أكثر نقدًا للسياسات الإسرائيلية وربما تمهيد الطريق لتحولات مستقبلية في السياسات الرسمية.
في المحصلة، تمثل هذه الرسالة تعبيرًا عن إدراك أوروبي متزايد بأن مشروع E1 ليس مجرد خطوة استيطانية إضافية، بل نقطة تحول قد تعيد تعريف الصراع برمّته، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن مأزق أعمق. يتمثل في الفجوة بين التشخيص الدقيق للمخاطر، وغياب الأدوات السياسية القادرة على منع تحققها على الأرض.
© All Rights Reserved. Designed by I.T.S