عبد الهادي محفوظ
التطورات السريعة في الحرب الأميركية – الاسرائيلية على ايران، والتداخل بين ما هو سياسي وعسكري واقتصادي، والهبوط السريع في البورصة الأميركية، والبورصات الدولية، والأسواق المالية، وظاهرة التضخم السريعة.
كل ذلك يشرّع الأبواب أمام نهاية للحرب، محكومة بعنوان “لا رابح ولا خاسر”، وإن كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب جاهز ليعلن سلفا، “انتصرنا وحققنا أهدافنا في السيطرة الجوية والبحرية وتدمير الصناعات العسكرية ومنظومة الصواريخ والقضاء على البرنامج النووي”.
هذا ينطوي على جزء من الحقيقة، وعلى مبالغات كثيرة، لتبرير وقف الحرب، ومخاطبة الداخل الأميركي، الذي بدأ يعاني من ارتفاع سعر النفط، وتراجع المداخيل، ومن التداعيات الإقتصادية والمالية، ومن تنامي الإعتراض على حرب عبثية. استدرج فيها رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو الولايات المتحدة الأميركية إليها.
الملاحظ أن ايران مستعدة لحرب طويلة. لا تعتبر أن الرئيس ترامب حقق ما أعلن عنه، من ضرب القدرات العسكرية الايرانية، وتراجع مخزونها الحربي إلى حدود عشرين بالمئة. من هنا كان تعليق قائد القوة الجوية الايرانية من أن مخزون الصواريخ يوفّر لايران إمكانية الحرب لشهور عديدة، مصحوبا بصناعة حربية متواصلة، وأنها في صدد إطلاق موجات جديدة من الصواريخ المتطورة، وأنه من الصحيح أن سيد البيت الأبيض هو الذي فتح الحرب، لكن إنهاءها في يد ايران. أي في يد المرجع الروحي آية الله مجتبى خامنئي، المتمرس في الشأنين الديني والسياسي، وكان يقوم بكثير من المهمات الأساسية نيابة عن والده، وبمعرفته ومتابع للسياسات الدولية وتوازناتها، وعلى اتصال يومي بمراكز القرار الايرانية وامتداداتها في المجتمع السياسي والعسكري والديني والمدني. هو منفتح على كل الخيارات الممكنة، بما فيها خيارات السلام الأميركية، على أن ترتكز إلى كون ايران دولة اقليمية، من حقها امتلاك القدرة النووية السلمية، والصواريخ لأهداف دفاعية، وإلى متابعة المفاوضات، على قاعدة ما توصّلت إليه في فيينا، حيث كان الإمام علي خامنئي يتوقع نجاحها بخاتمة ترضي الطرفين، والأرجح أن الإمام مجتبى خامنئي يزاوج بين الصفتين: الصلابة والمرونة في آن معا. من هنا البحث عن مخارج تجمع بين السياسي والديني. هذا يعني أنه سيكون هناك أدوار ملحوظة للرئيس الايراني مسعود بزشكيان ولرئيس مجلس الأمن القومي علي لاريجاني ولوزير الخارجية عباس عرقجي، وبالتأكيد للحرس الثوري الايراني، والمؤسسة العسكرية من الخلف.
ما يلفت النظر حاليا تراجع الرهان الأميركي على الجهات الإنفصالية، حيث نجحت ايران في لجم المعارضة الكردية، وأي دور “لمجاهدي خلق”، وفي محاصرة دائرة الجواسيس، وتحقيق شبكة أمان داخلية، بتظاهرة البيعة للإمام مجتبى، كما أن حزب “توده” الشيوعي المعارض يساند حاليا دولة ايران، ويعترض على الحرب الأميركية.
نحن نقترب من نهاية الحرب، حيث يبرز الدور المميز للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي تحتاجه الولايات المتحدة الأميركية وايران، وهو لن يكون “ساعي بريد”، وإنما شريك مفاوض، في التقريب بين واشنطن وطهران، ما يعزز الرؤية الروسية للحل، الذي ينتهي برفع جزء من العقوبات الأميركية الأساسية، وإلى حاجة واشنطن في تخفيف صعود أسعار النفط، عبر تسويق النفط والغاز الروسي باتجاه الدول الآسيوية والصين.
المتضرر الأساسي من نهاية الحرب فهو رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو واليمين الديني اليهودي الذي يرمي إلى تجزئة المنطقة إلى دويلات وإمارات. يتجسّد هذا الضرر في أن ما حصل عليه نتنياهو من إجماع اسرائيلي على الحرب، كان سببه الأساسي هو مشاركة الولايات المتحدة الأميركية بها، لكن التوقعات الاسرائيلية باحتمال خروج الرئيس ترامب من الحرب منفردا، أو الضغط على اسرائيل لوقفها، سيوقظ من جديد المعارضة الداخلية الاسرائيلية، ومعها المخاوف والإعتراضات على تعريض الدولة العبرية للمخاطر، خصوصا في ظل التنسيق القائم بين ايران وحزب الله، وصعوبات الإجتياح الاسرائيلي للبنان. كما أن التوقعات بتأزيم عسكري بين السلطة اللبنانية والمقاومة هو أمر في غير مكانه، فإذا كان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون قد رفع “من سقف مطالبه”، فهو لتحاشي الضغوط الدولية عليه وعلى لبنان، ولاحتوائها، ومثل هذه الضغوط هي باتجاه الإنكفاء لحظة الإقتراب من نهاية الحرب على ايران، وما تستتبعه من “سلة واحدة” في أكثر من مكان.