زينب علي عبيد
ايها التاريخ سجّل في صفحاتك يوم 17 أيلول – سبتمبر 2024. يوم لا تنساه الذاكرة. انه ذكرى “البيجر”. يومٌ سقط فيه الضوء من عيون الناس.
هناك ذكريات لا تمرّ عليها الأيام، بل تبقى عالقة في القلب، كلما عادت ذكراها، يعود معها الوجع، ومن بين تلك الذكريات، تأتي ذكرى تفجيرات أجهزة “البيجر”؛ ذلك اليوم الذي بدأ بأصواتٍ عادية لأجهزة يحملها الناس، وانتهى بمشاهد لا يستطيع القلب أن ينساها.
ضُغط زر في لحظة واحدة، فخسر أناسٌ عيونهم، وخسر آخرون أصابعهم، وفقد كثيرون جزءًا من أجسادهم، فيما خسر آخرون حياتهم.
لم يكن المشهد مفهومًا في اللحظات الأولى!
أتذكر كيف سقط الناس أرضًا دون أن يعرف كثيرون ماذا يحدث!
أصوات سيارات الإسعاف في كل مكان، صرخات، عويل، ارتباك، ووجوه تبحث عن تفسير لما يجري!
كان السؤال واحدًا: ماذا يجري؟
ثم بدأت الحقيقة تتكشف، وتبيّن أن تفجيرات أجهزة “البيجر” كانت جزءًا من عملية أمنية نسبت إلى العدو الإسرائيلي، الذي استهدف أجهزة اتصال، عناصر حزب الله، لكنها خلّفت أيضًا ضحايا مدنيين، من أطفال ونساء، لا ذنب لهم في الصراع، وهنا يصبح السؤال أكبر من السياسة، وأعمق من الحسابات العسكرية: ماذا يفعل الإنسان عندما تتحول أداة يحملها في يده إلى سبب لفقدان عينه أو يده أو حياته؟! أي عقل يستطيع أن يتجاهل مشهد طفلٍ أصيب؟!1 أي قلب يستطيع أن يرى إنسانًا يسقط أمام عينيه ولا يرتجف؟!
بين السياسة والحرب والأمن، هناك الانسان دائمًا. إنسان له أم تنتظره، وأب يخاف عليه، وأطفال لا يفهمون لماذا لم يعد والدهم إلى البيت!
في ذلك اليوم، لم يكن الألم مجرد أرقام في نشرات الأخبار. كان عيون أُطفئ نورها، وأياد فقدت أصابعها، وبيوت دخلها الحزن فجأة، وأمهاتٍ وآباءً عاشوا لحظة لا يمكن محوها من الذاكرة.
كان بين الضحايا أطفال أبرياء. هم بالنسبة إلى عائلاتهم ملائكةً على الأرض؛ أرواحًا لا علاقة لها بالقرار السياسي ولا بالحرب، لذلك حين نستعيد هذه الذكرى، لا أريد أن أتذكرها فقط كحدث أمني أو عسكري، بل كجرح إنساني. أريد تذكر أن التكنولوجيا، مهما تطورت، لا ينبغي أن تفقد الإنسان إنسانيته، وأن الضغط على زر في ثانية واحدة، قد تمتد نتائجه طوال عمر إنسان، فقد بصره، أو يده، أو أحد أحبته.
لا أنسى السؤال الذي بقي في داخلي: كيف يمكن لعالمٍ يتحدث كل يوم عن حقوق الإنسان أن يصل إلى لحظة يصبح فيها جسد الإنسان ساحةً للحرب؟!
ذكرى “البيجر” ليست ذكرى أجهزة انفجرت فحسب! إنها ذكرى عيون فقدت نورها، وأصابع بترت، وحياة انطفأت، وقلوبٍ بقيت تنزف بعد أن انتهى صوت الانفجار.
رحم الله من فقدوا حياتهم، وشفى الجرحى، وربط على قلوب أهلهم، ويبقى الإنسان، قبل السياسة وقبل الحرب وقبل كل الحسابات، هو الإنسان.
هذا وحده ما يجب أن لا ننساه.