ادمون الأسمر
ستتجدّد اليوم الثقة بالحكومة للمرة الثالثة، بالمعنى السياسي الذي أخذته جلسات الثقة والمساءلة منذ تشكيلها، ثقة أولى عند نيلها الثقة في مجلس النواب، وثانية في جلسة المناقشة العامة في يوليو – تموز 2025، وثالثة تُستخلص اليوم من جلسة المساءلة والمحاسبة، التي انعقدت على مدى يومين، بالتالي ستخرج الحكومة من جلسة اليوم بعمر سياسي جديد، وبغطاء نيابي، يتيح لها مواصلة السياسات التي أعلنتها، وأقرتها، وبدأت بتنفيذها.
لا تقاس المسألة بعدد الملاحظات التي وُجّهت إلى الحكومة، ولا بحجم الانتقادات التي سُجّلت على أدائها، وهي أمور مشروعة، وطبيعية، وضرورية، في أي نظام ديموقراطي برلماني. المسألة الأساسية هي: هل استطاع الفريق الذي يريد تغيير مسار الحكومة بسبب قراراتها السيادية إسقاطها؟
الجواب، بكل بساطة: كلا.
هذا يعني أن الحكومة مستمرة، كما يعني أن الرهان على إسقاطها لم ينجح، وأن القرارات التاريخية التي اتخذتها في الملفات الكبرى، وفي مقدمها قرار نزع سلاح الحزب الإيراني، وحلّ تنظيمه العسكري والأمني، بما يعيد للدولة دورها وهيبتها واعتبارها، لم تُسقط معها، بل إن استمرار الحكومة يعني أن هذه القرارات يفترض أن تنتقل من مرحلة القرار إلى مرحلة التنفيذ، لذلك فإن تجديد الثقة اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد مناسبة سياسية تنتهي بانتهاء الجلسة، بل يحمِّل الحكومة مسؤولية إضافية، هي مسؤولية أن تمضي قدمًا في تنفيذ قراراتها، وأن تنتقل من إعلان السياسات إلى تطبيقها، ومن تثبيت المبدأ إلى ترجمة المبدأ على الأرض، فمهما كانت الملاحظات على هذه الحكومة، ومهما كانت علامات الاستفهام حول أدائها في ملفات مالية واقتصادية وإدارية وخدماتية، تبقى أمامها مهمة أساسية، وتشكل المدخل الأساس للإصلاح والاستقرار: إعادة لبنان إلى كنف الدولة، وإنهاء ازدواجية القرار والسلاح، وتثبيت مرجعية الدولة وحدها.
ان الرسالة التي يجب أن تخرج بها الحكومة من مجلس النواب اليوم واضحة: امضوا قدمًا. نفّذوا قراراتكم. لا تتراجعوا. خلاص لبنان واللبنانيين بأيديكم. اللبنانيون بأمسّ الحاجة إلى حكومة “تحكي وتفعل”. تتخذ قرارات وتنفّذها، ولا سيما أن الخلاف الفعلي هو بين من يريد حكومة شكلية، وبين من يريد حكومة فعلية؛ وبين من يريد منع الحكومة من تنفيذ قراراتها، لإظهارها مشلولة وعاجزة، وبين من يريد أن تنفذ الحكومة قراراتها لتعيد إلى الدولة دورها وهيبتها؛ وبين من يريد لبنان في كنف الدولة، وبين من يريد لبنان في كنف الدويلة؛ وبين من يريد لبنان صاحب القرار، وبين من يريد لبنان ساحة للقرار الإيراني.
ان جديد الثقة بالحكومة اليوم يجب أن يشكل دينامية جديدة، وانطلاقة متجددة، من أجل أن تمضي قدمًا في تنفيذ قراراتها السيادية، ولا يفترض أن تضيّع الحكومة هذه الفرصة، التي أُعطيت لها بتجديد الثقة، ولا أن تضيّع هذه اللحظة لإنقاذ لبنان، بإخراجه فعلًا لا قولًا من محور إيران.
تجديد الثقة يجب ألا تعتبره الحكومة نهاية الامتحان، ولا شيكًا على بياض، بل عليها أن تعتبره فرصة جديدة مُنحت لها، وستُمتحن فيها بالتنفيذ، وستكون، بالنسبة إلى معظم اللبنانيين، الثالثة ثابتة من أجل تنفيذ قراراتها السيادية.