أسماء وهبة
جلست في حديقة منزلي ليلة أمس، في قريتي “كفر حمام”، الواقعة على الشريط الحدودي جنوب لبنان، كما هي عادتي أطالع ورودي الصغيرة، التي أعدت زراعتها، بعد احتراقها في حرب 2024 ، حينما قصفت اسرائيل البلدة، ودمرت 40% منها، وتأذى جزء من المنزل، نتيجة نسف الحي الذي أقطن فيه، والأهم المسجد الذي يقع على حائطنا.
استعاد المنزل بريقه بعد جهد مضن من أمي. زرعت البقلة، الملوخية، النعنع، والبطيخ في حديقتنا. رغم وجود شجرة خوخ عملاقة محترقة وسط كل هذا الجمال. قتلتها الصواريخ الاسرائيلية. لا يهم ذلك الآن. ما يعنيني أنني عدت الى منزلي، ومازلت من المحظوظين القلائل في لبنان، الذين يستطعون الذهاب الى قراهم في جنوب لبنان، بعد أن أبعدنا عنها الاحتلال الاسرائيلي بإحراج حزب الله منها.
أتابع عند المساء مسلسل كوري. هذا ما أفعله في بيروت. يتغير الأمر في “كفر حمام”. أحدق في سماء الجنوب الرحبة التي تصب عليك المحبة صبا. أطالع ورود أمي، التي نبتت من جديد، وسيقان الملوخية المغرية، التي انتظرت أمي أن تزهر أوراقها، حتى تطهوها بفرح، مع لحم اشترته من أقدم لحام في بلدة “سوق الخان” المجاورة. احساس ساحر مليء بالدفىء حينما تأكل مما تجود به أرضك.
أملأ عيني بكل هذا الجمال على بساطته مع قلقي من فقدانه في أي لحظة! مازال حزب الله يهدد بمواجهة اسرائيل كي تقضي تلك الأخيرة على ما بقي من قرنا في الجنوب.
هذا ما فكرت فيه بالأمس، حينما عادت المسيرات الاسرائيلية، وصوتها المزعج، الى سماء العرقوب بعد اختفاء مؤقت. رفعت رأسي الى السماء، باحثة عن الطيران الحربي الاسرائيلي، الذي عاد ليسرح ويمرح فوق رؤوسنا، كأنه سيطمرنا تحت منازلنا بحثا عن عنصر من حزب الله.
سارعت لتطمين أمي، الجالسة أمامي، وهي تحدق في السماء بعينين قلقلتين أيضا قائلة: “بعيد عنا.. أكيد بالنبطية أو الخيام”.
أنهيت كلامي مع سماع دوي انفجار كبير. اهتزت معه أبواب منزلنا الحديدية القديمة، ونوافذه التي نجت في حرب عام 2026 بأعجوبة، حينما قصفت اسرائيل المنزل المجاور لنا!
فضلت أمي النوم، عن سماع حفلة القصف الاسرائيلي، التي يبدوا أنها ستكون حامية هذه الليلة. جلست وحدي في الحديقة. أسمع القصف المدفعي على وادي السلوقي وتمشيط الرصاص في سهل الخيام وغارات الطيران الحربي على النبطية وما حولها. أطالع مجموعة الصحفيين في واتس آب التي تواكب القصف من عمق النبطية. بضعة مصورين فضلوا البقاء هناك للتغطية بعد أن هرب الجميع من النبطية. يسأل الزملاء عند كل غارة: “وين هيدي؟!”
أتابع من حديقتي على الحدود احراق الجنوب أمامي وتدميره وقضمه وجرفه قطعة قطعة ولا أفكر الا بسؤال واحد: “هل يستجحق الجنوب كل هذا القهر؟! هل تستجق ايران تقديم الجنوب عربون لها على طاولة مفاضاواتها مع واشنطن؟!”
اقذيفة أخرى دوى صوتها في أذني كأنها سقطت لى جواري. ألمح لهب من بعيد قادم من سهل الخيام. “ليه بقي شي بالخيام!” دمرت وسويت بالأرض ومعها احترقت قلوبنا جميعا.
حاولت النوم رغم القصف الاسرائيلي المستمر على تلة “علي الطاهر” و”النبطية” و”الخيام”. غارات متواصلة على بلدات غادرها أهلها ونسفت بيوتها وأحرقت محلاتها. هي اسرائيل الممعنة في احراق قلوبنا على الجنوب، مع أنه “الضرب في الميت حرام!”