د. منى فياض
يعيش الشباب العربي واللبناني خصوصاً، في غربة. عندما يحاول الخروج من أزمة التهميش الحضاري لبلاده، ويتطلع إلى العالم الحديث، الذي يمثله الغرب والتكنولوجيا واللغة الإنجليزية، ليتعلم منه الندية، والحداثة، فيصطدم بعصر الغباء والتسطيح الرقمي، ما يوقعهم في حيرة مضاعفة، فالتقاليد القديمة لم تعد مُقنعة، والعالم الحديث المتطور تكنولوجياً، يمرّ بفترة انتقالية كبرى، كما يتميز بالعنف، ويبدو فارغاً من المضمون الإنساني والفكري، وعاجزاً عن تقديم نموذج حقيقي لهم.
حرّكت إدانة الشباب الأمريكي والأوروبي للإبادة في غزة بعض الأمل، بتفكيك فرضية الغباء العالمي المطلق، ويدل على ان الاعلام التقليدي الغربي، يفقد احتكاره لصناعة سردية: “اسرائيل الضحية”!
إذن تولّد الحداثة والرقمنة نقيضها أيضاً.
في مقابل الوعي الغربي اتجاه غزة، يظهر تعقيد الحالة اللبنانية، حيث يعيش الشاب اللبناني سياقاً مركباً؛ فهو يرى الدمار والقتل الذي تمارسه إسرائيل، لكنه في نفس الوقت يرى سلطة عاجزة ومتفرجة، وبلده يُختطف، ويُدمّر، نتيجة قرارات أحادية من حزب الله، الذي فرض الحرب على الجميع، ويتحرك كأداة لمشاريع إيرانية، ما يجعله في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين الجاني والمستدعي للمأساة”.
يميل الرأي العام العالمي الشبابي إلى السرديات البسيطة الثنائية مثل “ظالم ومظلوم/ مستعمِر ومستعمَر”. لذا يصعب على هذا العقل المعولم استيعاب التعقيد اللبناني الداخلي، حيث يوجد عدو خارجي مجرم، وفي نفس الوقت فصيل مسلح داخلي، يهيمن على الدولة، ويصادر قرار الحرب والسلم، فيقف هذا التعقيد حاجزاً امام بروز تعاطف دولي اتجاه الحرب المرفوعة بوجه اللبنانيين، ما يُشعرهم بغياب الدعم الحقيقي لقضيتهم.
يصطدم التغيير حالياً بحائط الصلابة المؤسسية. السلطة والقرار السياسي والمالي في العالم في يد جيل قديم، ويحصّن نفسه بمصالح ولوبيات ضخمة، كما يحتاج التحول الى جيل شاب بعض الوقت، كي يتسلموا مراكز صناعة القرار.
من هنا لا يجد الشاب اللبناني أمامه سوى الهجرة.
ماذا تقول لنا الأرقام الصادمة لعام 2026؟
تشير البيانات الرسمية الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة (IOM) ومركز أبحاث الدولية للمعلومات الى الوضع الحقيقي لحركة الهجرة والنزيف الديموغرافي من لبنان. هي أرقام مرعبة. دخل لبنان تاريخياً في موجة الهجرة الجماعية الثالثة بعد هجرتي مجاعة الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية.
تشير الدراسات الأمنية والإحصائية حتى منتصف عام 2026 إلى أن أكثر من 729 ألف لبناني غادروا البلاد منذ عام 2020 ، دون حركة عودة، في بلد لا يتجاوز عدد سكانه الخمسة ملايين نسمة، وفي عام 2025 سجلت منظمة الهجرة الدولية صافي خروج يتجاوز 220 ألف لبناني غادروا البلاد نهائياً نتيجة الانهيار الاقتصادي والشلل السياسي الشامل.